فصل: 1158- باب ما جَاءَ في الرخصة في لُبْسِ الْحَرِيرِ في الْحَرْب

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


23- كتاب اللباس

1157- باب ما جَاءَ في الْحَرِيرِ والذّهَب

1723- حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ حدثنا عبدُ الله بنُ نُمَيْرٍ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ عن نَافِعٍ عن سَعيدِ بنِ أبي هِنْد عن أبي موسى الأشعَرِيّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏حُرّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ والذّهَب على ذُكُورِ أُمّتِي وأُحِلّ لإنَاثِهمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن عُمَرَ وعَليّ وعُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ وأنسٍ وأُمّ هَانِئ وحُذَيْفَةَ وأم هانئ وعبدِ الله بنِ عَمْرِو وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وعبدِ الله بنِ الزّبَيْرِ وجابرٍ وأبي رَيْحَانَة وابنِ عُمَرَ وواثلة بن الأسقع وحديث أبي موسى حديث حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1724- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ حدثنا مُعَاذُ بنُ هِشَامٍ حدثنا أبي عَنْ قَتَادَةَ عن الشّعْبِيّ عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةَ عن عُمَرَ‏:‏ ‏"‏أنه خَطَبَ بالْجَابِيَةِ فقالَ‏:‏ نَهَى نبيّ الله صلى الله عليه وسلم عن الْحَرِير إلاّ مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أو ثلاثٍ أو أرْبَعٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حرم لباس الحرير والذهب‏)‏ بالرفع عطف على لباس الحرير ‏(‏على ذكور أمتي‏)‏ والذكور بعمومه يشمل الصبيان أيضاً لكنهم حيث لم يكونوا من أهل التكليف حرم على من ألبسهم‏.‏ والمراد بالذهب حلية، وإلا فالأولى من الذهب والفضة حرام على الذكور والإناث، وكذا حلي الفضة مختص بالنساء إلا ما استثنى للرجال من الخاتم وغيره ‏(‏وأحل‏)‏ أي ما ذكر أو كل منهما لإناثهم بكسر الهمزة أي لإناث أمتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأم هانئ وأنس وحذيفة وعبد الله بن عمرو وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحانة وابن عمر والبراء‏)‏ أما حديث عمر وأنس وابن الزبير فأخرجه الشيخان، ففي المشكاة وعن عمر وأنس وابن الزبير وأبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الاَخرة، متفق عليه انتهى‏.‏ وأما حديث علي رضي الله عنه فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان ولفظه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال‏:‏ إن هذين حرام على ذكور أمتي‏.‏ وأما حديث عقبة بن عامر فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث أم هانيء فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث حذيفة والبراء فأخرجه الجماعة‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه ابن ماجه والبزار وأبو يعلى والطبراني وفي إسناده الإفريقي وهو ضعيف‏.‏ وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أحمد وأبو داود‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث أبي ريحانة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان عنه قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الاَخرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه والطبراني وفي إسناده سعيد بن أبي هند عن أبي موسى‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ إنه لم يلفه‏.‏ وقال الدارقطني في العلل‏:‏ لم يسمع سعيد بن أبي هند من أبي موسى‏.‏ وقال ابن حبان في صحيحه‏:‏ حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح، وقد روي من طريق يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ذكر ذلك الدارقطني في العلل، قال‏:‏ والصحيح عن نافع عن سعيد بن أبي هند عن أبي موسى، وقد اختلف فيه على نافع فرواه أيوب وعبيد الله بن عمر عن نافع عن سعيد مثله، ورواه عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن سعيد عن رجل عن أبي موسى كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سويد بن غفلة‏)‏ بفتح المعجمة والفاء كنيته أبو أمية الجعفي مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم دفن النبي صلى الله عليه وسلم وكان مسلماً في حياته ثم نزل الكوفة ومات سنة ثمانين وله مائة وثلاثون سنة كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بالجابية‏)‏ بالجيم وكسر الموحدة مدينة بالشام إلا موضع ‏(‏أصبعين‏)‏ أي مقدار أصبعين ‏(‏أو ثلاث أو أربع‏)‏ أو ههنا للتنويع والتخيير، وفيه دلالة على إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع وعليه الجمهور‏.‏ قال قاضي خان‏:‏ روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا بأس بالعلم من الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع أو دونها ولم يحك فيها خلافاً، كذا قال القاري في المرقاة‏.‏ وقال النووي في شرح مسلم‏:‏ في هذه الرواية إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على أربع أصابع وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور‏.‏ وعن مالك رواية بمنعه، وعن بعض أصحابه بإباحة العلم بلا تقدير بأربع أصابع بل قال يجوز وإن عظم، وهذان القولان مردودان بهذا الحديث الصريح والله تعالى أعلم انتهى‏.‏ وقال الحافظ في فتح الباري‏:‏ وفيه حجة لمن أجاز لبس العلم من الحرير إذا كان في الثوب وخصه بالقدر المذكور وهو أربع أصابع‏.‏ وهذا هو الأصح عند الشافعية، وفيه حجة على من أجاز العلم في الثوب مطلقاً ولو زاد على أربعة أصابع، وهو منقول عن بعض المالكية، وفيه حجة على من منع العلم في الثوب مطلقاً، وهو ثابت عن الحسن وابن سيرين وغيرهما، ولكن يحتمل أن يكونوا منعوه ورعاً وإلا فالحديث حجة عليهم فلعلهم لم يبلغهم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏ قال النووي‏:‏ هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال‏:‏ لم يرفعه عن الشعبي إلا قتادة وهو مدلس، ورواه شعبة عن أبي السفر عن الشعبي من قول عمر موقوفاً، ورواه بيان وداود ابن أبي هند عن الشعبي عن سويد عن عمر موقوفاً عليه، وكذا قال شعبة عن الحكم عن خيثمة عن سويد، وقاله ابن عبد الأعلى عن سويد وأبو حصين عن إبراهيم عن سويد، هذا كلام الدارقطني، وهذه الزيادة في هذه الرواية انفرد بها مسلم لم يذكرها البخاري، وقد قدمنا أن الثقة إذا انفرد برفع ما وقفه الأكثرون كان الحكم لروايته وحكم بأنه مرفوع على الصحيح الذي عليه الفقهاء والأصوليون ومحققو المحدثين، وهذا من ذاك والله أعلم انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لم يجب النووي عن تدليس قتادة إلا أنه قال في مقدمة شرحه‏:‏ إعلم أن ما في الصحيحين عن المدلسين بعن ونحوهما فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثير منه في الصحيحين بالطريقين جميعاً، فيذكر رواية المدلس بعن ثم يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى الذي ذكرته انتهى‏.‏

1158- باب ما جَاءَ في الرخصة في لُبْسِ الْحَرِيرِ في الْحَرْب

1725- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا عبدُ الصّمَد بنُ عبدِ الوارِثِ حدثنَا هَمّامٌ حدثنا قَتَادَةُ عن أنَسٍ بن مالك أنّ عبدَ الرحمَنِ بن عَوْفٍ و الزّبَيْرَ بنَ العَوّامِ شَكَيَا القَمْلَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم في غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخّصَ لَهُمَا في قُمُصِ الْحَرِيرِ قال‏:‏ ورَأَيْتُهُ علَيهما‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏شكيا القمل‏)‏ قال في الصراح‏:‏ قمل سبس قملة بكى انتهى ‏(‏فرخص لهما في قمص الحرير‏)‏ بضم القاف والميم جمع قميص، وفي رواية الشيخين‏:‏ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة بهما‏.‏ ورجح ابن التين الرواية التي فيها الحكة وقال لعل أحد الرواة تأولها فأخطأ وجمع الداودي باحتمال أن يكون إحدى العلتين بأحد الرجلين، وقال ابن العربي‏:‏ قد ورد أنه أرخص لكل منها فالإفراد يقتضي أن لكل حكمة‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ ويمكن الجمع بأن الحكة حصلت من القمل فنسبت العلة تارة إلى السبب وتارة إلى سبب السبب انتهى‏.‏

وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب الحرير في الحرب، وروى فيه حديث الباب عن خمس طرق وفي بعضها أن عبد الرحمن والزبير شكيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني القمل فأرخص لهما في الحرير فرأيته عليهما في غزاة‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وأما تقييده بالحرب فكأنه أخذه من قوله‏:‏ فرأيته عليهما في غزاة، ووقع في رواية أبو داود‏:‏ في السفر من حكة، وجعل الطبري جوازه في الغزو مستنبطاً من جوازه للحكة فقال‏:‏ الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز، وقد تبع الترمذي البخاري فترجم له‏:‏ باب ما جاء في لبس الحرير في الحرب، ثم المشهور عن القائلين بالجواز أنه لا يختص بالسفر وعن بعض الشافعية يختص‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ الحديث حجة على من منع إلا أن يدعي الخصوصية بالزبير وعبد الرحمن ولا تصح تلك الدعوى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قد جنح إلى ذلك عمر فروى ابن عساكر من طريق ابن عوف عن ابن سيرين أن عمر رأى على خالد بن الوليد قميص حرير فقال ما هذا، فذكر له خالد قصة عبد الرحمن بن عوف، فقال وأنت مثل عبد الرحمن، أولك مثل ما لعبد الرحمن، ثم أمر من حضره فمزقوه برجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعاً‏.‏

وقد اختلف السلف في لباسه فمنع مالك وأبو حنيفة مطلقاً‏.‏ وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة، وحكى ابن حبيب عن ابن الماجشون أنه يستحب في الحرب‏.‏ وقال المهلب‏:‏ لباسه في الحرب لإرهاب العدو وهو مثل الرخصة في الاحتيال في الحرب‏.‏ ووقع في كلام النووي تبعاً لغيره أن الحكمة في لبس الحرير للحكة لما فيه من البرودة، وتعقب بأن الحرير حار، فالصواب أن الحكمة فيه لخاصة فيه لدفع ما تنشأ عنه الحكة كالقمل انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

1159- باب

1726- حدثنا أبو عَمّارٍ حدثنا الفَضْلُ بنُ مُوسى عن محمدِ بنِ عَمْرِو حدثنا وَاقِدُ بنُ عَمْرِو بنِ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ قال‏:‏ ‏"‏قَدِمَ أنَسُ بنُ مالِكٍ فَأَتَيْتُهُ فقالَ‏:‏ مَنْ أَنْتَ‏؟‏ فَقلت‏:‏ أنا وَاقِدُ بنُ عَمْرو بن سعيد بن معاذٍ، قالَ‏:‏ فَبَكَى وقالَ‏:‏ إنّكَ لَشَبِيهٌ بِسَعْدٍ، وإنّ سَعْداً كانَ مِنْ أعْظَمِ النّاسِ، وأطْوَلَهم، وإنّهُ بُعِثَ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم جُبّةٌ مِنْ دِيبَاحٍ مَنْسُوجٌ فيها الذّهَبُ، فلَبِسَها رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فَصَعِدَ المِنْبَرَ فَقَامَ أو قَعَدَ، فَجَعَلَ النّاسُ يَلْمسُونها، فقالوا‏:‏ ما رأيْنَا كاليْوَمِ ثَوْباً قَطّ‏.‏ فقَالَ‏:‏ أتعجَبُونَ مِنْ هذه‏؟‏ لَمَنادِيلُ سَعْدٍ في الْجَنّةِ خَيْرٌ مِمّا تَرَوْنَ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن أسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ‏.‏

وهذا حديثٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ‏)‏ الأنصاري الأشهلي أبو عبد الله المدني ثقة من الرابعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فبكى‏)‏ أي أنس ‏(‏وقال إنك لشبيه بسعد‏)‏ أي سعد بن معاذ ‏(‏وإن سعداً‏)‏ أي بن معاذ ‏(‏كان من أعظم الناس‏)‏ أي رتبة ‏(‏وأطول‏)‏ أي جسماً ‏(‏وإنه بعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة من ديباج منسوج فيها الذهب‏)‏ الضمير في أنه للشأن، وبعث بصيغة المجهول، وجبة بالرفع نائب لفاعل، ومنسوج بالرفع على أنه صفة لجبة، والذي بعثها هو أكيدر دومة كما يدل عليه رواية أحمد، فإنه روى في مسنده عن أنس عن مالك رضي الله عنه أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم جبة سندس أو ديباج قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها، فتعجب الناس عنها، فقال‏:‏ والذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها ‏(‏فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ كان هذا قبل النهي عن الحرير كما في رواية أحمد المذكورة ‏(‏فقام أو قعد‏)‏ فشك من الراوي، أي قام على المنبر أو جلس عليه ‏(‏لمناديل سعد‏)‏ جمع منديل بكسر الميم ما يحمل في اليد للوسخ والامتهان ‏(‏خير مما ترون‏)‏ يعني الجبة، أشار به إلى أن عظيم رتبته أي أدنى ثياب سعد بن معاذ الأوسي خير من هذه الجبة، وخصه لكون منديله كان من جنس ذلك الثوب لوناً أو كان الحال يقتضي استمالة قلبه، أو كان يحب ذلك الجنس، أو كان اللامسون المتعجبون من الأنصار كذا في المجمع‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أسماء بنت أبي بكر‏)‏ أخرجه مسلم بلفظ‏:‏ أنها أخرجت جبة طيالسة كسروانية لها لبنة ديباج وفرجيها مكفوفين بالديباج وقالت‏:‏ هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عند عائشة، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي‏.‏

1160- باب ما جَاءَ في الرّخْصَةِ في الثّوْبِ الأَحْمَرِ للرّجَال

1727- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا وكيعٌ حدثنا سُفْيَان عن أبي إسحاقَ عن البَرَاءِ قال‏:‏ مَا رأيْتُ من ذِي لِمّةٍ في حُلّةٍ حَمْراءَ أحْسَن مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، لَهُ شَعْرٌ يَضْرِبُ مَنكِبيْهِ، بَعِيدٌ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بالقَصِيرِ ولا بالطّوِيلِ‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن جَابرِ بنِ سَمُرَةَ وأبي رِمْثَةَ وأبي جُحَيْفَةَ‏.‏

وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما رأيت من ذي لمة‏)‏ بكسر اللام وتشديد الميم‏.‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ الجمة من شعر الرأس ما سقط على المنكبين، واللمة من شعر الرأس دون الجمة سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، والوفرة من شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن ‏(‏في حلة‏)‏ قال في القاموس‏:‏ الحلة بالضم إزار ورداء برد أو غيره ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة انتهى‏.‏ وقال النووي‏:‏ الحلة هي ثوبان إزار ورداء، قال أهل اللغة‏:‏ لا تكون إلا ثوبين، سميت بذلك لأن أحدهما يحل على الاَخر، وقيل لا يكون الحلة إلا الثوب الجديد الذي يحل من طيه ‏(‏حمراء‏)‏‏.‏ قال ابن الهمام‏:‏ الحلة الحمراء عبارة عن ثوبين من اليمن فيها خطوط حمر وخضر لا أنه أحمر بحت‏.‏ وقال ابن القيم‏:‏ غلط من ظن أنها كانت حمراء بحتاً لا يخالطها غيرها، وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود كسائر البرود اليمانية وهي معروفة بهذا الإسم باعتبار ما فيها من الخطوط، وإنما وقعت شبهة من لفظ الحلة الحمراء انتهى‏.‏

قال الشوكاني‏:‏ ولا يخافك أن الصحابي قد وصفها بأنها حمراء وهو من أهل اللسان، والواجب الحمل على المعنى الحقيقي وهو الحمراء البحت، والمصير إلى المجاز أعني كون بعضها أحمر دون بعض لا يحمل ذلك الوصف عليه إلا لموجب، فإن أراد يعني ابن القيم أن ذلك معنى الحلة الحمراء لغة فليس في كتب اللغة ما يشهد لذلك وإن أراد أن ذلك حقيقة شرعية فيها، فالحقائق الشرعية لا تثبت بمجرد الدعوى، والواجب حمل مقالة ذلك الصحابي على لغة العرب لأنها لسانه ولسان قومه، فإن قال إنما فسرها بذلك التفسير للجمع بين الأدلة فمع كون كلامه آبباً عن ذلك لتصريحه بتغليط من قال إنها الحمراء البحت لا ملجأ إليه لإمكان الجمع بدونه مع أن حملة الحلة الحمراء على ما ذكر ينافي ما احتج به في أثناء كلامه من إنكاره صلى الله عليه وسلم على القوم الذين رأى على رواحلهم أكسية فيها خطوط حمر، وفيه دليل على كراهية ما فيه الخطوط وتلك الحلة كذلك بتأويله انتهى ‏(‏له شعر يضرب منكبيه‏)‏ أي إذا تدلى شعره الشريف يبلغ منكبيه ‏(‏بعيد ما بين المنكبين‏)‏ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وروى مكبراً أو مصغراً أي عريض أعلى الظهر‏.‏ ووقع في حديث أبي هريرة عند ابن سعد‏:‏ رحب الصدر ‏(‏ليس بالقصير ولا بالطويل‏)‏ أي المعيوبين‏.‏ والحديث يدل على جواز لبس الثوب الأحمر للرجال، ويدل على ذلك أيضاً حديث أبي جحيفة عند البخاري قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم الحديث وفيه‏:‏ وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمراً صلى إلى العنزة بالناس ركعتين الخ‏.‏ وحديث هلال بن عامر عن أبيه قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يخطب على بغلة وعليه برد أحمر وعليّ أمامه يعبر عنه، أخرجه أبو داود‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وإسناده حسن‏.‏ وللطبراني بسند حسن عن طارق المحاربي نحوه لكن قال بسوق المجاز، وحديث جابر عن البيهقي‏:‏ أنه كان له صلى الله عليه وسلم ثوب أحمر يلبسه في العيدين والجمعة‏.‏ وروى ابن خزيمة في صحيحه نحوه بدون ذكر الأحمر‏.‏ وحديث بريدة قال‏:‏ خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب‏.‏ ونقل المنذري تحسين الترمذي وأقره‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ قد احتج بهذه الأحاديث من قال بجواز لبس الأحمر وهم الشافعية والمالكية وغيرهم‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ جاء الجواز مطلقاً عن علي وطلحة وعبد الله بن جعفر والبراء وغير واحد من الصحابة وعن سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وأبي قلابة وأبي وائل وطائفة من التابعين‏.‏

وذهبت الحنفية إلى الكراهة واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر وقال‏:‏ مر بالنبي صلى الله عليه وسلم ثوبان أحمران فسلم عليه فلم يرد عليه، أخرجه الترمذي وأبو داود‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ هو حديث ضعيف الإسناد وإن وقع في بعض نسخ الترمذي أنه قال‏:‏ حديث حسن‏.‏ وقال المنذري في إسناده أبو يحيى القتات‏.‏ وقد اختلف في اسمه، فقيل عبد الرحمن بن دينار، وقيل زاذان، وقيل عمران، وقيل مسلم، وقيل زياد، وهو كوفي لا يحتج بحديثه‏.‏ وقال أبو بكر البزار‏:‏ هذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن عبد الله بن عمر، ولا نعلم له طريقاً إلا هذه الطريق ولا نعلم رواه عن إسرائيل إلا إسحاق بن منصور‏.‏

ومن أدلتهم حديث رافع بن خديج عند أبي داود قال‏:‏ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خطوط عن حمر‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم، فقمنا سراعاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، حنى نفر بعض إبلنا فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها‏.‏ وهذا الحديث لا تقوم به حجة لأن في إسناده رجلاً مجهولاً‏.‏

ومن أدلتهم حديث‏:‏ أن امرأة من بني أسد قالت‏:‏ قلت يوماً عند زينب امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نصبغ ثياباً لها بمغرة فبينا نحن كذلك إذا طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المغرة رجع، فلما رأت زينب علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره ما فعلت فأخذت فغسلت ثيابها ووارت كل حمرة، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع فاطلع فلما لم ير شيئاً دخل، أخرجه أبو داود‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ وفي سنده ضعف، وقال المننذري‏:‏ في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيهما مقال انتهى‏.‏

ومن أقوى حججهم ما في صحيح البخاري من النهي عن المياثر الحمر، وكذلك ما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي من حديث عليّ قال‏:‏ نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي والميثرة الحمراء، ولكنه لا يخفى عليك أن هذا الدليل أخص من الدعوى، وغاية ما في ذلك تحريم الميثرة الحمراء، فما الدليل على تحريم ما عداها مع ثبوت لبس النبي صلى الله عليه وسلم له مرات‏.‏

ومن أصرح أدلتهم حديث رافع بن برد أو رافع بن خديج كما قال ابن قانع مرفوعاً بلفظ‏:‏ من الشيطان يحب الحمرة فإياكم والحمرة وكل ثوب ذي شهرة أخرجه الحاكم في الكني وأبو نعيم في المعرفة وابن قانع وابن السكن وابن منده وابن عدي، ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن عمران بن حصين مرفوعاً بلفظ‏:‏ إياكم والحمرة فإنها أحب الزينة إلى الشيطان‏.‏ وأخرج نحوه عبد الرزاق من حديث الحسن مرسلاً‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ وهذا إن صح كان أنص أدلتهم على المنع، ولكنك قد عرفت لبسه صلى الله عليه وسلم للحلة الحمراء في غير مرة، ويبعد منه صلى الله عليه وسلم أن يلبس ما حذرنا من لبسه معللاً ذلك بأن الشيطان يحب الحمرة، ولا يصح أن يقال ههنا فعله لا يعارض القول الخاص بنا كما صرح بذلك أئمة الأصول، لأن تلك العلة مشعرة بعدم اختصاص الخطاب بنا إذ تجنب ما يلابسه الشيطان هو صلى الله عليه وسلم أحق الناس به‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما الراجح إن صح ذلك الحديث‏؟‏‏.‏

قلت‏:‏ قد تقرر في الأصول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فعل فعلاً لم يصاحبه دليل خاص يدل على التأسي به فيه كان مخصصاً له عن عموم القول الشامل له بطريق الظهور فيكون لبس الأحمر مختصاً به، ولكن ذلك الحديث غير صالح للاحتجاج به كما صرح بذلك الحافظ وجزم بضعفه لأنه من رواية أبي بكر الهذلي وقد بالغ الجوزقاني فقال باطل، فالواجب البقاء على البراءة الأصلية المعتضده بأفعاله الثابتة في الصحيح، لا سيما مع ثبوت لبسه لذلك بعد حجة الوداع، ولم يلبث بعدها إلا أياماً يسيرة‏.‏

واحتجوا أيضاً بالأحاديث الواردة في تحريم المصبوغ بالعصفر، قالوا لأن العصفر يصبغ صباغاً أحمر وهي أخص من الدعوى وستعرف أن الحق أن ذلك النوع من الأحمر لا يحل لبسه‏.‏ وقد احتج من قال بتحريم لبس الأحمر للرجال بهذه الأحاديث، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاحتجاج‏.‏

وقد ذكر الحافظ في هذه المسألة سبعة أقوال‏:‏ الأول الجواز مطلقاً، والثاني المنع مطلقاً، والثالث يكره لبس الثوب المشبع بالحمرة ما كان صبغه خفيفاً، جاء ذلك عن عطاء وطاؤس ومجاهد، وكان الحجة فيه حديث ابن عمر‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفدم، أخرجه ابن ماجه والمفدم بالفاء وتشديد الدال وهو المشبع بالعصفر فسره في الحديث، والرابع يكره لبس الأحمر مطلقاً لقصد الزينة والشهرة ويجوز في البيوت والمهنة، جاء ذلك عن ابن عباس، والخامس يجوز لبس ما كان صبغ غزله ثم نسج ويمنع ما صبغ بعد النسج، جنح إلى ذلك الخطابي واحتج بأن الحلة الحمراء إحدى حلل اليمن وكذلك البرد الأحمر، وبرود اليمن يصبغ غزلها ثم ينسج، والسادس اختصاص النهي بما يصبغ بالعصفر لورود النهي عنه ولا يمنع ماصبغ بغيره من الأصباغ، قال الحافظ‏:‏ ويعكر عليه حديث المغرة المتقدم، والسابع تخصيص المنع بالثوب الذي يصبغ كله وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحلة الحمراء فإن الحلل اليمانية غالباً تكون ذات خطوط حمر وغيرها‏.‏ وقال الطبري بعد أن ذكر غالب هذه الأقوال‏:‏ الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعاً بالحمرة ولا لبس الأحمر مطلقاً ظاهراً فوق الثياب لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثماً، وفي مخالفته الزي ضرب من الشهرة وهذا يمكن أن يلخص منه قول ثامن انتهى كلام الحافظ‏.‏

قلت‏:‏ الراجح عندي من هذه الأقوال هو القول السادس، وأما قول الحافظ‏:‏ ويعكر عليه حديث المغرة المتقدم ففيه أن في سنده ضعفاً كما صرح به الحافظ نفسه‏.‏ وقال المنذري في إسناده إسماعيل بن عياش وابنه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيهما مقال انتهى هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جابر بن سمرة وأبي رمثة وأبي جحيفة‏)‏ أما حديث جابر بن سمرة فأخرجه الترمذي في باب الرخصة في لبس الحمرة للرجال من أبواب الأدب، وأما حديث أبي رمثة فلينظر من أخرجه، وأما حديث أبي جحيفة فأخرجه البخاري في باب الصلاة في الثوب الأحمر وفي عدة أبواب من صحيحه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

1161- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ المُعَصْفَرِ لِلرّجَال

1728- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا مالكُ بنُ أنَسٍ عن نافِعٍ عن إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبيهِ عن عليّ قال‏:‏ ‏"‏نَهَى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن لُبْسِ القَسِيّ والمُعَصْفَرِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن أنَسٍ وعبدِ الله بنِ عَمْرو‏.‏

وحديثُ عليّ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين‏)‏ الهاشمي مولاهم المدني ‏(‏عن أبيه‏)‏ أي عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم مدني ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي‏)‏ بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة على الصحيح‏.‏ قال أهل اللغة وغريب الحديث‏:‏ هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس بفتح القاف موضع من بلاد مصر على ساحل البحر قريب من التنيس، وقيل إنها منسوبة إلى القز وهو رديء الحرير فأبدلت الزاي سيناً ‏(‏والمعصفر‏)‏ هو المصبوغ بالعصفر كما في كتب اللغة وشروح الحديث، والعصفر يصغ صباغاً أحمر‏.‏

والحديث دليل على تحريم لبس المعصفر للرجال لأن الأصل في النهي التحريم‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ الراجح تحريم الثياب المعصفرة، والعصفر وإن كان يصبغ صبغاف أحمر كما قال ابن القيم فلا معارضة بينه وبين ما ثبت في الصحيحين من أنه صلى الله عليه وسلم كان يلبس حلة حمراء لأن النهي في هذه الأحاديث يتوجه ءلى نوع خاص من الحمرة وهي الحمرة الحاصلة عن صباغ العصفر انتهى‏.‏

وقد عقد الترمذي في أبواب الاَداب باباً أيضاً بلفظ‏:‏ باب ما جاء في كراهية لبس المعصفر للرجال وأورد فيه حديث عبد الله بن عمرو أنه قال‏:‏ مر رجلٌ وعليه ثوبان أحمران فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم السلام ثم قال‏:‏ ومعنا هذا الحديث عند أهل العلم أنه كره لبس المعصفر ورأوا أن ما صبغ بالحمرة بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به إذا لم يكن معصفراً انتهى‏.‏

قوله ‏(‏وفي باب عن أنس وعبد الله بن عمرو‏)‏ أما حديث أنس فلينظر من أخرجه وأما حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه فأخرجه مسلم عنه قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثوبيه معصفرين فقال إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبثها، وفي الرواية الأخرى قال‏:‏ رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ ثوبين معصفرين فقال‏:‏ أمك أمرتك بهذا‏؟‏ قلت‏:‏ أغسلهما، قال‏:‏ بل أحرقهما‏.‏ وفي الباب أيضاً عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنية فالتفت إليّ زعليّ ريطة مضرجة بالعصفر فقال ما هذا‏؟‏ فعرفت ما كره فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال يا عبد الله ما فعلت الريطة، فأخبرته فقال‏:‏ ألا كسوتها بعض أهلك‏؟‏ أخرجه أحمد وكذلك أبو داود وابن ماجه وزاد‏:‏ فإنه لا بأس بذلك للنساء‏.‏ قوله ‏(‏حديث علي حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه كذا في المنتقى‏.‏

1162- باب ما جَاءَ في لُبْسِ الفِرَاء

بكسر الفاء جمع فرو وهو لبس كالجبة يبطن من جلود بعض الحيوانات كالأرانب والسمور، يقال له بالفارسية بوستين‏.‏

1729- حدثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزَارِيّ، حدثنا سَيْفُ بنُ هارُونَ البرجميّ عن سُلَيْمانَ التّيْمِيّ عن أبي عُثمانَ عن سَلْمانَ قالَ‏:‏ ‏"‏سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن السّمْنِ والْجُبن والفِرَاءِ فقالَ‏:‏ الْحَلاَلُ ما أحَلّ الله في كِتَابِهِ‏.‏ والْحَرَامُ ما حَرّمَ الله في كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمّا عفى عنهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن المُغِيرَةِ‏.‏

وهذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مرفوعاً إلا مِنْ هذا الوجهِ‏.‏

ورَوَى سُفْيَانُ وَغَيْرُهُ عن سُليمانَ التّيْمِيّ عن أبي عُثْمانَ عن سلمان قَوْلَه‏.‏ وكأنّ الحديثَ المَوْقُوفَ أصَحّ وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال ما أراه محفوظاً روى سفيان عن سليمان التيميّ عن أبي عثمان عن سلمان موقوفاً قال البخاري‏:‏ وسيف بن هارون مقارب الحديث وسيف ين محمد عن عاصم ذاهب الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن سيف بن هارون‏)‏ البرجمي قال في النيل‏:‏ هو ضعيف متروك، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته‏:‏ روى له الترمذي وابن ماجه حديثاً واحداً في السؤال عن الفراء والسمن والجبن الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن السمن والجبن‏)‏ كعتل هو لبن يجمد يقال له بالفارسية بنير ‏(‏والفراء‏)‏ قال القاري‏:‏ بكسر الفاء والمد جمع الفراء مداً وقصراً وهو حمار الوحش قال القاضي‏:‏ وقيل هو ههنا جمع الفرو الذي يلبس ويشهد له صنيع بعض المحدثين كالترمذي فإنه ذكره في باب لبس الفرو، وذكره ابن ماجه في باب السمن والجبن وقال بعض الشراح من علمائنا، وقيل هذا غلط بل جمع الفرو الذي يلبس وإنما سألوه عنها حذراً من صنيع أهل الكفر في اتخاذهم الفراء من جلود الميتة من غير دباغ، ويشهد له أن علماء الحديث أوردوا هذا الحديث في باب اللباس انتهى‏.‏ ‏(‏الحلال ما أحل الله‏)‏ أي بين تحليله ‏(‏في كتابه والحرام ما حرم الله‏)‏ أي بين تحريمه ‏(‏في كتابه‏)‏ يعني إما مبيناً وإما مجملاً بقوله‏.‏ ‏"‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏"‏ لئلا يشكل بكثير من الأشياء التي صح تحريمها بالحديث وليس بصريح في الكتاب‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدل على حصر التحليل والتحريم على الكتاب العزيز هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام ولو بطريق العموم أو الإشارة أو باعتبار الأغلب لحديث‏:‏ إني أوتيت القرآن ومثله معه‏.‏ وهو حديث صحيح انتهى ‏(‏وما سكت‏)‏ أي الكتاب ‏(‏عنه‏)‏ أي عن بيانه أو وما أعرض الله عن بيان تحريمه وتحليله رحمة من غير نسيان ‏(‏فهو مما عفا عنه‏)‏ أي عن استعماله وأباح في أكله، وفيه أن الأصل في الأشياء الإباحة، ويؤيده قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً‏}‏‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن بعض أهل العلم قد استدل على إباحة أكل التنباك وشرب دخانه بقوله تعالى ‏{‏وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً‏}‏ وبالأحاديث التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة‏.‏ قال القاضي الشوكاني في إرشاد السائل إلى أدلة المسائل بعد ما أثبت أن كل ما في الأرض حلال إلا بدليل ما لفظه‏:‏ إذا تقرر هذا علمت أن هذه الشجرة التي سماها بعض الناس التنباك وبعضهم التوتون لم يأت فيها دليل على تحريمها وليست من جنس المسكرات ولا من السموم ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلاً، فمن زعم حرام فعليه الدليل ولا يفسد مجرد القال والقيل انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لا شك في أن الأصل في الأشياء الإباحة لكن بشرط عدم الإضرار، وأما إذا كانت مضرة في الاَجل أو العاجل فكلا ثم كلا‏.‏ وقد أشار إلى ذلك الشوكاني رحمه الله بقوله‏:‏ ولا من جنس ما يضر آجلاً أو عاجلاً، وأكل التنباك وشرب دخانه بلا مرية وإضراره عاجلاً ظاهر غير خفي، وإن كان فيه شك فليأكل منه وزن ربع درهم أو سدسه ثم لينظر كيف يدور رأسه وتختل حواسه وتتقلب نفسه حيث لا يقدر أن يفعل شيئاً من أمور الدنيا أو الدين، بل لا يستطيع أن يقوم أو يمشي، وما هذا شأنه فهو مضر بلا شك‏.‏ فقول الشوكاني‏:‏ ولا من جنس ما يضر آجلاً أم عاجلاً ليس بصحيح‏.‏ وإذا عرفت هذا ظهر لك أن إضراره عاجلاً هو الدليل على عدم إباحة أكله وشرب دخانه‏.‏ هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن المغيرة‏)‏ لينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ وأخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك وفي سنده سيف بن هارون وهو ضعيف كما عرفت‏.‏

1163- باب ما جَاءَ في جُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَت

1730- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ عن عَطَاء بنِ أبي رَبَاحٍ قالَ‏:‏ سَمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ‏:‏ ‏"‏ماتَتْ شَاةٌ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأهْلِهَا‏:‏ أَلاّ نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا ثم دَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بهِ‏"‏‏.‏

1731- حدثنا قُتَيْبَةُ، وحدثنا سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ و عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ وَعْلَةَ عن ابنِ عباسٍ قالَ‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَيّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ‏"‏‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أكثر أهلِ العلمِ قالوا في جُلودِ المَيْتَةِ إذا دُبِغَتْ فَقَدْ طَهُرَتْ‏.‏

قال أبو عيسى قال الشافعيّ‏:‏ أيما إهابٍ مَيْتةٍ دُبِغَ فقد طَهُرَ إلاّ الكَلْبَ والْخنْزِيرَ‏.‏ قال بعضُ أهلِ الْعِلْمِ مِنْ أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم إنهم كرهوا جُلودَ السّبَاعِ وإن دبغ وهو قول عبدالله بن المبارك وأحمد واسحاق وشدّدُوا في لُبْسِهَا والصّلاَةِ فيها‏.‏ قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ‏:‏ إنّما مَعْنَى قولِ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أَيّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ‏"‏ جِلْد ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ‏.‏ هكَذَا فَسّرَهُ النّضْرُ بنُ شُمَيْل وقال‏:‏ إنما اسحاق‏:‏ قال النضر بن شميل يُقَالُ الإهَابٌ لِجلْدِ ما يؤْكلُ لحمُهُ‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن سَلَمَةَ بنِ المُحَبّقِ وَمَيْمُونَةَ وعائشةَ، وحديثُ بنِ عباسٍ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عنْ ابنِ عبّاسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوَ هَذَا‏.‏ ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ و مَيْمُونَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم ورُوِيَ عن سَوْدَةَ‏.‏ وَسَمِعْتُ محمداً يُصَحّحُ حديثَ ابنِ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وحديثَ ابنِ عباسٍ عن مَيْمُونَةَ وقال‏:‏ أحْتَمِلُ أنْ يَكونَ رَوَى ابنُ عَبّاسٍ عن مَيْمُونَةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورَوَى ابنُ عباسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ولَمْ يَذْكُرْ فيهِ عن مَيْمُونَةَ‏.‏ قال أبو عيسى والعملُ على هذا عند أكثرَ أهلِ العلمِ وهُوَ قَوْلُ سُفيَانَ الثورِيّ وابنِ المبَارَكِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

1732- حدثنا محمدُ بنُ طَرِيفٍ الكُوفِيّ، حدثنا محمدُ بنُ فُضَيْلٍ عن الأعْمَشِ والشّيْبَانِيّ عن الْحَكَمِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى عن عبدِ الله بن عُكَيْمٍ قال‏:‏ ‏"‏أتَانَا كِتَابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن لا تَنْتَفِعُوا منَ المَيْتَةِ بإهَابٍ ولا عَصَبٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ ويُرْوَى عن عبدِ الله بنِ عُكَيْمٍ عن أشْيَاخٍ له هذا الحديثُ ولَيْسَ العملُ على هذا عندَ أكثَر أهلِ العلمِ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ عن عبدِ الله بن عُكَيْمٍ أنه قال‏:‏ ‏"‏أتَانَا كِتَابُ النبي صلى الله عليه وسلم قَبْلَ وَفَاتِهِ بشَهْرَيْنِ‏"‏‏.‏

قال وسمعتُ أحمدَ بنَ الْحَسَنِ يقولُ‏:‏ كان أحمدُ بنُ حنبلٍ يَذْهَبُ إلى هذا الْحَدِيثِ لِمَا ذُكِرَ فيهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرَيْنِ وكانَ يقولُ كَانَ هذا آخرُ أمْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم تَرَكَ أحمدُ بن حنبل هذا الحديثَ لَمّا اضْطَرَبُوا في إسْنَادِهِ حَيْثُ رَوَى بَعضُهم فقال عن عبدِ الله بنِ عُكَيْمٍ عن أشْيَاخٍ له مِنْ جُهَيْنَةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ألا نزعتم جلدها ثم دبغتموه فاستمتعتم به‏)‏ فيه دليل على أن جلود الميتة لا يجوز الاستمتاع بها أي استمتاع كان إلا بعد الدباغ، وأما قبل الدباغ فلا يجوز الانتفاع كالبيع وغيره، وهو القول الراجح المعول عليه‏.‏ ولم يقع في رواية البخاري والنسائي ذكر الدباغ فهي محمولة على الرواية المقيدة بالدباغ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سملة بن المحبق‏)‏ بضم وفتح حاء مهملة وشدة موحدة مكسورة وبقاف والمحدثون يفتحون الباء كذا في المغني ‏(‏وميمونة وعائشة‏)‏ أما حديث سلمة بن المحبق فأخرجه ابن حبان عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ دباغ جلود الميتة طهورها‏.‏ وقد أخرج غير ابن حبان هذا الحديث بألفاظ أخرى ذكرها صاحب السبل‏.‏ وأما حديث ميمونة فأخرجه مالك وأبو داود والنسائي وغيرهم وفيه فقال‏:‏ لو أخذتم إهابها، فقالوا إنها ميتة، فقال‏:‏ يطهرها الماء والقرظ‏.‏ وأما حديث عائشة الخمسة إلا الترمذي ولفظه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عباس حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا أن ابن ماجه قال فيه عن ميمونة جعل من مسندها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول أبي حنيفة رحمه الله‏.‏ قال الإمام محمد رحمه الله في موطأه بعد ذكر حديث‏:‏ إذا دبغ الإهاب فقد طهر‏.‏ وبهذا نأخذ إذا دبغ إهاب الميتة فقد طهر وهو ذكاته ولا بأس بالانتفاع به ولا بأس ببيعه، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله انتهى‏.‏ وقال بعض أهل العلم‏:‏ إنه لا يطهر شيء من الجلود بالدباغ، واستدلوا بحديث عبد الله بن عكيم الاَتي وهو حديث لا يصلح للاحتجاج كما ستعرف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعن عبد الرحمن بن وعلة‏)‏ بفتح الواو وسكون المهملة المصري صدوق ‏(‏أيما إهاب‏)‏ ككتاب الجلد أو ما لم يدبغ قاله في القاموس‏.‏ وفي الصحاح الإهاب الجلد ما لم يدبغ ‏(‏دبغ‏)‏ بصيغة المجهول صفة الإهاب، والدباغ بكسر الدال عبارة عن إزالة الرائحة الكريهة والرطوبات النجسة باستعمال الأدوية أو بغيرها‏.‏ وقد أخرجه الإمام محمد في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال‏:‏ كل شيء يمنع الجلد من الفساد فهو دباغ ‏(‏فقد طهر‏)‏ أي ظاهره وباطنه، ويجوز استعماله في الأشياء اليابسة والمائعة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه ‏(‏وقال الشافعي‏:‏ أيما إهاب دبغ فقد طهر إلا الكلب والخنزير‏)‏‏.‏ استدل الشافعي على استثناء الخنزير بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنه رجس‏}‏ وجعل الضمير عائذاً إلى المضاف إليه وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة قال لأنه لا جلد له‏.‏

قال الشوكاني متعقباً على الإمام الشافعي ما لفظه‏:‏ واحتجاج الشافعي بالاَية على إخراج الخنزير وقياس الكلب عليه لا يتم إلا بعد تسليم أن الضمير يعود إلى المضاف إليه دون المضاف وأنه محل نزاع ولا أقل من الاحتمال إن لم يكن رجوعه إلى المضاف راجحاً والمحتمل لا يكون حجة على الخصم، وأيضاً لا يمتنع أن يقال رجسية الخنزير على تسليم شمولها لجميعه لحماً وبشراً وجلداً وعظماً مخصصة بأحاديث الدباغ انتهى ‏(‏وكره بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لبس جلود السباع وشددوا في لبسها والصلاة فيها‏)‏ لحديث أبي المليح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينهى عن جلود السباع، وزاد الترمذي في رواية‏:‏ أن تفترش، وسيأتي في باب ما جاء في النهي عن جلود السباع‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ أما الاستدلال بأحاديث النهي عن جلود السباع على أن الدباغ لا يطهر جلود السباع بناء على أنها مخصصة للأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم فغير ظاهر لأن غاية ما فيها مجرد النهي عن الركوب عليها وافتراشها ولا ملازمة بين ذلك وبين النجاسة كما لا ملازمة بين النهي عن الذهب والحرير ونجاستهما فلا معارضة، بل يحكم بالطهارة بالدباغ مع منع الركوب عليها ونحوه، مع أن يمكن أن يقال إن أحاديث النهي عن جلود السباع أعم من وجه من الأحاديث القاضية بأن الدباغ مطهر على العموم لشمولها لما كان مدبوغاً من جلود السباع وما كان غير مدبوغ انتهى كلام الشوكاني‏.‏ ‏(‏قال إسحاق بن إبراهيم‏:‏ إنما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيما إهاب دبغ فقد طهر، إنما يعني به جلد ما يؤكل لحمه هكذا فسره النضر بن شميل، وقال‏:‏ إنما يقال إهاب الجلد ما يؤكل لحمه‏)‏ قال الشوكاني‏:‏ هذا يخالف ما قال أبو داود في سننه قال النضر بن شميل‏:‏ إنما يسمى إهاباً ما لم يدبغ فإذا دبغ لا يقال له إهاب إنما يسمى شناً وقربة انتهى‏.‏ فليس في رواية أبي داود تخصيصه بجلد المأكول، ورواية أبي داود عنه أرجح لموافقتها ما ذكره أهل اللغة كصاحب الصحاح والقاموس والنهاية وغيرها والمبحث لغوي فيرجح ما وافق اللغة ولم نجد في شيء من كتب أهل اللغة ما يدل على تخصيص الإهاب بإهاب مأكول اللحم كما رواه الترمذي عنه انتهى كلام الشوكاني، قلت الأمر كما قال الشوكاني ‏(‏وكره ابن المبارك وأحمد وإسحاق والحميدي الصلاة في جلود السباع‏)‏ أي ولو كانت مدبوغة لحديث المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عبد الله بن عكيم‏)‏ بالتصغير مخضرم من الثانية ‏(‏أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب‏)‏ بفتحتين قال في شرح مواهب الرحمن‏:‏ وعصب الميتة نجس في الصحيح من الرواية لأن فيه حياة بدليل تألمه بالقطع، وقيل طاهر فإنه عظم غير متصل‏.‏ قال التوربشتي قيل إن هذا الحديث ناسخ للأخبار الواردة في الدباغ لما في بعض طرقه أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر، والجمهور على خلافه لأنه لا يقاوم تلك الأحاديث صحة واشتهاراً، ثم إن ابن عكيم لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم وإنما حدث عن حكاية حال، ولو ثبت فحقه أن يحمل على نهي الانتفاع قبل الدباغ كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه النسائي وابن ماجه، وفي كونه حسناً كلا كما ستقف عليه ‏(‏وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم‏)‏‏.‏ قال صاحب المنتقى‏:‏ أكثر أهل العلم على أن الدباغ يطهر في الجملة لصحة النصوص به، وخبر ابن عكيم لا يقاربها في الصحة والقوة لينسخها انتهى ‏(‏ثم ترك أحمد هذا الحديث لما اضطروا في إسناده الخ‏)‏ قال المنذري في تلخيص السنن بعد نقل كلام الترمذي هذا‏:‏ وقال أبو بكر بن حازم الحافظ وقد حكى الخلال في كتابه أن أحمد توقف في حديث ابن عكيم لما رأى تزلزل الرواة فيه، وقال بعضهم رجع عنه، وقال أبو الفرج عبد الرحمن بن علي في الناسخ والمنسوخ‏:‏ تصنيفه‏.‏ وحديث ابن عكيم مضطرب جداً فلا يقاوم الأول لأنه في الصحيحين يعني حديث ميمنونة‏.‏ وقال أبو عبد الرحمن والنسائي في كتاب السنن‏:‏ أصح ما في هذا الباب في جلود الميتة إذا دبغت حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة والله أعلم انتهى كلام المنذري‏.‏

1164- باب ما جَاءَ في كَرَاهِيَةِ جَرّ الإزَار

1733- حدثنا الأنصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مالِكٌ، وحدثنا قُتَيْبَةُ عن مَالِكٍ عن نافِعٍ و عبدِ الله بنِ دِينَارٍ و زَيْدِ بنِ أسْلَمَ كلّهم يُخْبِرُ عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ أنّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا يَنْظُرُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلى مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيلاَءَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن حُذَيْفَةَ وأبي سَعِيدٍ وأبي هريرةَ، وسَمُرَةَ وأبي ذَر وعائشةَ وهُبَيْبِ بنِ مُغفلٍ‏.‏

وحديثُ ابنِ عُمَر حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا ينظر الله‏)‏ قال الحافظ في الفتح أي لا يرحمه فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازاً وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة‏.‏ وقال شيخنا الحافظ العراقي في شرح الترمذي‏:‏ عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر‏.‏ وقال الكرماني‏:‏ نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية لأن من اعتد بالشخص التفت إليه ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر‏.‏ ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر وهو تقليب الحدقة، والله منزه عن ذلك فهو بمعنى الإحسان مجاز عما وقع في حق غيره كناية‏.‏ وقوله يوم القيامة إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة رحمة الدنيا فإنها قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث‏.‏ ويؤيده ما ذكر من حمل النظر على الرحمة أو المقت ما أخرجه الطبراني وأصله في أبي داود من حديث أبي جري أن رجلاً ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها فنظر الله إليه فمقته فأمر الأرض فأخذته الحديث انتهى‏.‏ قلت‏:‏ الأولى بل المتعين أن يحمل ما ورد من النظر ونحوه من صفات الله تعالى على ظاهره من غير تأويل، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة مراراً ‏(‏إلى من جر ثوبه‏)‏ هو شامل للإزار والرداء وغيرهما‏.‏ وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه من رواية سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر منها شيئاً خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ‏(‏خيلاء‏)‏ بضم المعجمة وفتح التحتية وبالمد‏.‏ قال النووي‏:‏ هو والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر كلها متقاربة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن حذيفة وأبي سعيد وأبي هريرة وسمرة وأبي ذر وعائشة وهبيب بن مغفل‏)‏ أما حديث حذيفة فأخرجه ابن ماجه في باب موضع الإزار أين هو‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو داود وابن ماجه‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان‏.‏ وأما حديث سمرة فأخرجه أحمد‏.‏ وأما حديث أبي ذر فأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه البيهقي وفيه‏:‏ لا ينظر الله إلى مسبل‏.‏ وأما حديث هبيب بن مغفل فأخرجه أحمد بإسناد جيد وأبو يعلى والطبراني، وهبيب بضم الهاء وفتح الموحدة مصغراً‏.‏ ومغفل بضم الميم وسكون المعجمة وكسر الفاء‏.‏ وقال الذهبي في التجريد‏:‏ قيل لوالد هبيب مغفل لأنه أغفل سمة إبله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه‏.‏

تنبيه‏:‏

قال الحافظ في الفتح‏:‏ في هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء فظاهر الأحاديث تحريمه أيضاً، لكن استدل بالتقييد في هذه الأحاديث بالخيلاء على أن الإطلاق في الزجر الوارد في ذم الإسبال محمول على المقيد هنا فلا يحرم الجر والإسبال إذا سلم من الخيلاء‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال‏.‏ وقال النووي‏:‏ الإسبال تحت الكعبين للخيلاء حرام فإن كان لغيرها فهو مكروه، وهكذا نص الشافعي على الفرق بين الجر للخيلاء ولغير الغيلاء قال‏:‏ والمستحب أن يكون الإزار إلى نصف الساق والجائز بلا كراهة ما تحته إلى الكعبين وما نزل من الكعبين ممنوع منع تحريم إن كان للخيلاء وإلا فمنع تنزيه، لأن الأحاديث الواردة في الزجر عن الإسبال مطلقه فيجب تقييدها بالإسبال للخيلاء انتهى‏.‏ وقال ابن العربي‏:‏ لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظاً ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكماً يقول لا أمنثله لأن تلك العلة ليست في فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دالة على تكبره انتهى‏.‏

وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء‏.‏ ويؤيده ما أخرجه أحمد من منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه‏:‏ وإياك وجر الإزار فإن جر الإزار من المخيلة‏.‏ وأخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله ويقول عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو، فقال يا رسول الله إني حمش الساقين، فقال يا عمرو إن الله قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو وإن الله لا يحب المسبل الحديث‏.‏ وأخرجه أحمد من حديث عمرو نفسه لكن قال في روايته عن عمرو بن فلان، وأخرجه الطبراني أيضاً فقال عن عمرو بن زرارة وفيه‏:‏ وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع أصابع تحت ركبة عمرو فقال‏:‏ يا عمرو هذا موضع الإزار، ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال‏:‏ يا عمرو هذا موضع الإزار، ثم ضرب بأربع تحت الأصابع فقال‏:‏ يا عمرو هذا موضع الإزار، الحديث ورجاله ثقات‏.‏ وظاهره أن عمراً المذكور لم يقصد بإسباله الخيلاء، وقد منعه من ذلك لكونه مظنته‏.‏ وأخرج الطبراني من حديث الشريد الثقفي قال‏:‏ أبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً قد أسبل إزاره فقال ارفع إزارك، فقال‏:‏ إني أحنف تصطك ركبتاي، قال رافع إزارك فكل خلق الله حسن‏.‏ وأخرجه مسدد وأبو بكر بن أبي شيبة من طرق عن رجل من ثقيف لم يسم وفي آخره‏:‏ وذاك أقبح مما بساقك‏.‏ وأما ما أ خرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود بسند جيد أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال إني حمش الساقين فهو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب وهو أن يكون إلى نصف الساق ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة والله أعلم‏.‏ وأخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث المغيرة بن شعبة‏.‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يرداء سفيان بن سهيل وهو يقول‏:‏ يا سفيان لا تسبل فإن الله لا يحب المسبلين‏.‏

1165- باب ما جاءَ في ذُيُولِ النّسَاء

‏(‏باب ما جاء في جر ذيول النساء‏)‏ قال في القاموس‏:‏ الذيل آخر كل شيء ومن الإزار والثوب ما جر‏.‏

1734- حدثنا الحسَنُ بنُ عليّ الْخَلاّلُ، حدثنا عبدُ الرّزّاق، أخبرنا مَعْمَرٌ عن أيّوبَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قالَ‏:‏ قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ جَرّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ لَمْ يَنْظُر الله إليهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ‏:‏ فَكَيْفَ يَصْنَعُ النّسَاءُ بِذُيُولِهِنّ‏؟‏ قالَ‏:‏ يُرْخِينَ شِبْراً، فقَالَتْ إذاً تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنّ، قالَ‏:‏ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعاً لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ‏"‏‏.‏

قال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1735- حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ، أخبرنا عَفّانُ، حدثنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن عليّ بنِ زَيْدٍ عن أُمّ الْحَسَنِ أنّ أُمّ سَلمَةَ حَدّثَتْهُمْ‏:‏ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم شَبّرَ لِفَاطِمَةَ شِبْراً مِنْ نِطَاقِهَا‏"‏‏.‏

ورواه بَعْضُهُمْ عن حَمّادِ بنِ سَلْمَةَ عن عليّ بنِ زَيْدٍ عن الْحَسَنِ عن أُبيهِ عنْ أُمّ سَلَمَةَ‏.‏ وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يرخين‏)‏ بضم أوله من الإرخاء وهو الإرسال أي يرسلن من ثيابهن ‏(‏شبراً‏)‏ أي من نصف الساقين ‏(‏إذاً‏)‏ بالتنوين ‏(‏فيرخينه‏)‏ أي الذيل ‏(‏لا يزدن عليه‏)‏ أي على قدر الذارع‏.‏ قال الطيبي‏:‏ المراد به الذراع الشرعي، إذ هو أقصر من العرفي‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن حديث ابن عمر هذا أخرجه البخاري في صحيحه وليست فيه زيادة‏:‏ فقالت أم سلمة فكيف يصنع النساء بذيولهن الخ‏.‏ قال الحافظ في شرح حديث أبي هريرة‏:‏ ‏"‏لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطراً‏"‏ ما لفظه‏:‏ قوله ومن يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور على هذا الفعل المخصوص وقد فهمت ذلك أم سلمة رضي الله عنها فأخرجه النسائي والترمذي وصححه من طريق أيوب عن نافع بن عمر، فقال أم سلمة فكيف تصنع النساء بذيولهن، فقال يرخين شبراً‏.‏ فقالت إذاً تنكشف أقدامهن‏.‏ قال فيرخينه ذراعاً لا يزدن عليه، لفظ الترمذي‏.‏ وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم فإنها ليست عنده، وكأن مسلماً أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمر عن سليمان بن يسار عن أم سلمة، وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع والنسائي من طريق أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق ثلاثهم عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة نفسها وفيه اختلافات أخرى، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود من رواية أبي بكر الصديق عن ابن عمر قال‏:‏ رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين شبراً، ثم استزدنه فزادهن شبراً، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعاً‏.‏ وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه النسائي ‏(‏وفي الحديث رخصة للنساء في جر الإزار لأنه يكون أستر لهن‏)‏ قال الحافظ‏:‏ إن للرجال حالين‏:‏ حال استحباب وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين، وكذلك للنساء حالان‏:‏ حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر، وحال جواز بقدر ذراع‏.‏ ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق معتمر عن حميد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة من عقبها شبراً وقال‏:‏ هذا ذيل المرأة، وأخرجه أبو يعلى بلفظ‏:‏ شبر من ذيلها شبراً أو شبرين وقال لا تزدن على هذا ولم يسم فاطمة‏.‏ قال الطبراني‏:‏ تفرد به معتمر، و ‏"‏أو‏"‏ شك من الراوي، والذي جزم بالشبر هو المعتمد، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة يعني الذي يأتي بعد هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن علي بن يزيد‏)‏ هو معروف بعلي بن زيد بن جدعان ضعيف من الرابعة كذا في التقريب‏.‏ قلت‏:‏ وقال الترمذي‏:‏ صدوق إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره‏.‏ يروي عن الحسن البصري وأمه خيرة وخلق ‏(‏عن أم الحسن‏)‏ الحسن هذا هو البصري واسم أمها خيرة‏.‏ قال في التقريب‏:‏ خيرة أم الحسن البصري مولاة أم سلمة مقبولة من الثانية ‏(‏شبر‏)‏ من التشبير‏.‏ قال في القاموس‏:‏ شبر تشبيراً قدر ‏(‏لفاطمة شبراً‏)‏ بكسر الشين هو ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر ‏(‏من نطاقها‏)‏ بكسر النون، قال في القاموس‏:‏ النطاق ككتاب شقة تلبسها المرأة تشد وسطها فترسل الأعلى على الأسفل إلى الأرض، والأسفل ينجر على الأرض ليس لها حجزة ولا نفيق ولا ساقان انتهى‏.‏ والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدر لفاطمة النبي صلى الله عليه وسلم أن ترخي قدر شبر من نطاقها‏.‏ قال النووي‏:‏ أجمعوا على جواز الجر للنساء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورواه بعضهم عن حماد بن سلمة عن علي بن يزد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة‏)‏ عليّ بن يزد يروي عن الحسن البصري وعن أمه أيضاً، فالظاهر أنه روى هذا الحديث عن أم الحسن بواسطة الحسن وعنها بلا وساطة أيضاً، ولم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة والضعف، وفي سنده علي بن يزيد وقد عرفت حاله‏.‏

1166- باب ما جاءَ في لُبْسِ الصّوف

قال في الصراح‏:‏ صوف يشم كوسيند‏.‏ قال ابن بطال‏:‏ كره مالك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهر لأن إخفاء العمل أولى، قال‏:‏ ولم ينحصر التواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه‏.‏

1736- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا أيّوبُ عن حُمَيْدٍ بنِ هِلاَلٍ عن أبي بُرْدَةَ قالَ‏:‏ ‏"‏أَخْرَجَتْ إلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً مُلَبّداً وإزَاراً غَلِيظاً، فَقَالَتْ‏:‏ قُبِضَ روح رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم في هَذَيْنِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى وفي البابِ عن عليّ وابنِ مَسْعُودٍ‏.‏ وحَدِيثُ عَائِشَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1737- حدثنا عليّ بنُ حجرٍ، حدثنا خَلَفُ بنُ خَليفَةَ عن حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ عن عَبْدِ الله بنِ الْحَارِثِ عن ابنِ مَسْعُودٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كانَ عَلَى مُوسَى يوم كَلّمَهُ رَبّهُ كِسَاءُ صُوفٍ وَجُبّةُ صُوفٍ وكُمّهُ صُوفٍ وسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وكانَتْ نَعْلاَهُ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيّتٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ إلاّ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ‏.‏ وَحُمَيْدٌ هو ابنُ عليّ الكوفي قال سمعت محمداً يقول حميد بن علي الأَعْرَجُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ‏.‏ وَحُمَيْدٍ بنُ قَيْسٍ الأَعْرَجُ المَكّيّ صَاحِبُ مُجَاهِدٍ ثِقَةٌ‏.‏ والكُمّةُ القَلَنْسُوَةُ الصغيرةُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كساء‏)‏ بكسر الكاف هو ما يستر أعلى البدن والإزار ما يستر أسفله ‏(‏ملبداً‏)‏ اسم مفعول من التلبيد‏.‏ قال في النهاية أي مرقعاً، وقال الحافظ في الفتح‏:‏ قال المهلب‏:‏ يقال للرقعة التي يرقع القميص لبدة، وقال غيره‏:‏ التي ضرب بعضها في بعض حتى تتراكب وتجتمع ‏(‏قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين‏)‏ أي في هذين الثوبين وكأنه إجابة لدعائه صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً‏.‏ قال النووي‏:‏ في أمثال هذا الحديث بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها، فيجب على الأمة أن يقتدوا وأن يقتفوا على أثره في جميع سيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وابن مسعود‏)‏ أما حديث علي فأخرجه أبو يعلى ذكره المنذري في الترغيب في ترك الترفع في اللباس تواضعاً واقتداء بأشرف الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عائشة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا خلف بن خليفة‏)‏ بن صاعد الأشجعي مولاهم أبو أحمد الكوفي نزل واسط ثم بغداد صدوق اختلط بآخره وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد، من الثامنة، كذا في التقريب ‏(‏عن حميد الأعرج‏)‏ الكوفي القاضي الملائي، يقال هو ابن عطاء أو ابن علي أو غير ذلك، ضعيف من السادسة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكمة صوف‏)‏ بضم كاف وشدة ميم هي القلنسوة الصغيرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب الخ‏)‏ وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري قال المنذري‏:‏ توهم الحاكم أن حميداً الأعرج هذا هو حميد بن قيس المكي وإنما هو حميد بن علي، وقيل ابن عمار أحد المتروكين‏.‏

1167- باب ما جاءَ في العِمَامَةِ السّوْدَاء

1738- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِي عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ عن أبي الزّبَيْرِ عن جَابرٍ قال‏:‏ ‏"‏دَخَلَ النبيّ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن علي و عَمَرِو بنِ حُرَيْثٍ وابنِ عباسٍ وَرُكَانَةَ‏.‏

قال أبو عيسى حَدِيثُ جَابِرٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعليه عمامة سوداء‏)‏ فيه دليل على مشروعية العمامة السوداء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمرو بن حريث وابن عباس وركانة‏)‏ أما حديث عمرو بن حريث فأخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عنه قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه كما في النيل، وأما حديث ابن عباس وحديث ركانة فلينظر من أخرجهما‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جابر حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

1168- باب في سَدْلِ العِمَامَةِ بَيْنَ الكَتِفَيْن

أي إرسالها وإرخائها بينهما، ولم يقع هذا الباب في بعض النسخ‏.‏

1739- حدثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الْهَمَدَانِيّ، حدثنا يَحْيَى بنُ محمدٍ المدني عن عَبْدِ العَزِيزِ بنِ محمدٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ قال‏:‏ ‏"‏كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا اعْتَمّ سَدلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ‏"‏‏.‏

قالَ نَافِعٌ‏:‏ وكانَ ابنُ عُمَرَ يَسْدِلُ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ‏:‏ قالَ عُبَيْدُ الله‏:‏ ورَأَيْتُ القَاسِمَ وسَالِماً يَفْعَلاَنِ ذَلِكَ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسن غريبٌ‏.‏

وفي البابِ عن عليّ ولا يَصِحّ حَدِيثُ عليّ في هذا مِن قِبَلِ إسْنَادِهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يحيى بن محمد المديني‏)‏ قال في التقريب‏:‏ يحيى بن محمد بن عبد الله بن مهران المدني مولى بني نوفل يقال له الجاري بجيم وراء خفيفة، صدوق يخطيء من كبار العاشرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا اعتم‏)‏ بتشديد الميم أي لف العمامة على رأسه ‏(‏سدل‏)‏ أي أرسل وأرخى ‏(‏عمامته‏)‏ أي طرفها الذي يسمى العلامة والعذبة ‏(‏بين كتفيه‏)‏ بالتثنية، والحديث يدل على استحباب إرخاء طرفها بين الكتفين‏.‏ وقد ورد في إرخاء العذبة أحاديث على أنواع‏:‏ فمنها ما يدل على إرخائها بين الكتفين كحديث الباب وحديث عمرو بن حريث رضي الله عنه الذي أشار إليه الترمذي في الباب المتقدم وتقدم لفظه هناك، وحديث الحسن بن علي رضي الله عنه قال‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه، أخرجه أبو داود على ما في عمدة القاري، وحديث عبد الأعلى بن عدي أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن بشر عن عبد الرحمن بن عدي البهراني عن أخيه عبد الأعلى بن عدي‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علي بن أبي طالب يوم غدير خم فعممه وأرخى عذبة العمامة من خلفه ثم قال‏:‏ هكذا فاعتموا الحديث‏.‏ وحديث عبد الله بن ياسر قال‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّ بن أبي طالب إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء ثم أرسلها من روائه أو قال على كتفه اليسرى، أخرجه الطبراني وحسنه السيوطي، وحديث جابر قال‏:‏ كان للنبي صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء يلبسها في العيدين ويرخيها خلفه، أخرجه ابن عدي وقال لا أعلم يرويه عن أبي الزبير غير العزرمي وعنه حاتم بن إسماعيل‏.‏ وحديث أبي موسى أن جبرئيل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء قد أرخى ذؤابته من ورائه، أخرجه الطبراني‏.‏

ومنها ما يدل على إرخائها بين يدي المعتم ومن خلفه كحديث عبد الرحمن بن عوف عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسد لها من بين يدي ومن خلفي، أخرجه أبو داود وفي إسناده شيخ مجهول‏.‏ وحديث عائشة أخرجه ابن أبي شيبة عن عروة عنها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف بعمامة سوداء من قطن وأفضل له من بين يديه مثل هذه، وفي رواية عن نافع عن ابن عمر قال‏:‏ عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عوف بعمامة سوداء كرابيس وأرخاها من خلفه قدر أربع أصابع قال‏:‏ هكذا فاعتم، وحديث ثوبان‏:‏ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتم أرخى عمامته بين يديه ومن خلفه، أخرجه الطبراني في الأوسط وفي الحجاج بن رشد وهو ضعيف‏.‏

ومنها ما يدل على إرخائها من الجانب الأيمن كحديث أبي أمامة قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يولي والياً حتى يعممه ويرخي لها من جانبه الأيمن نحو الأذن، أخرجه الطبراني في الكبير وفي إسناده جميع بن ثوب وهو متروك‏.‏

وقد استدل على جواز ترك العذبة ابن القيم في الهدي بحديث جابر عند مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بلفظ‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه عمامة سوداء، بدون ذكر الذؤابة، قال‏:‏ فدل على أن الذوابة لم يكن يرخيها دائماً بين كتفيه انتهى وفيه نظر، إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في هذا الحديث عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يرخي الذؤابة‏.‏

وأقوى أحاديث هذه الأنواع كلها وأصحها هو حديث عمرو بن حريث في إرخاء العذبة بين الكتفين‏.‏ قال العيني في العمدة‏:‏ قال شيخنا زين الدين‏:‏ ما المراد بسدل عمامته بين كتفيه‏؟‏ هل المراد سدل الطرف الأسفل حتى تكون عذبة‏؟‏ أو المراد سدل الطرف الأعلى بحيث يغرزها ويرسل منها شيئاً خلفه‏؟‏ يحتمل كلا من الأمرين ولم أر التصريح يكون المرخي من العمامة عذبة إلا في حديث عبد الأعلى بن عدي وفيه‏:‏ وأرخى عذبة العمامة من خلفه وتقدم، وقال الشيخ مع أن العذبة الطرف كعذبة السوط وكعذبة اللسان أي طرفه، فالطرف الأعلى يسمى عذبة من حيث اللغة وإن كان مخالفاً للاصطلاح العرفي الاَن‏.‏ وفي بعض طرق حديث ابن عمر ما يقتضي أن الذي كما يرسله بين كتفيه من الطرف الأعلى، رواه أبو الشيخ وغيره من رواية أبي عبد السلام عن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ قلت لابن عمر‏:‏ كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم‏؟‏ قال‏:‏ كان يدير كور العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه ويرخي له ذؤابة بين كتفيه انتهى‏.‏

فائدة‏:‏

قد أخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم عمم عبد الرحمن بن عوف فأرسل من خلفه أربع أصابع أو نحوها ثم قال‏:‏ هكذا فاعتم فإنه أعرب وأحسن‏.‏ قال السيوطي‏:‏ وإسناده حسن وأخرج ابن أبي شيبة أن عبد الله بن الزبير كان يعتم بعمامة سوداء قد أرخاها من خلفه نحواً من ذراع‏.‏ وروى سعد بن سعيد عن رشدين قال‏:‏ رأيت عبد الله بن الزبير يعتم بعمامة سوداء ويرخيها شبراً أو أقل من شبر‏.‏ قال في السبل‏:‏ من آداب العمامة تقصير العذبة فلا تطول طولاً فاحشاً‏.‏ وقال النووي في شرح المهذب‏:‏ إرسال العذبة إرسالاً فاحشاً كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويكره لغيره انتهى‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ قال السيوطي في الحاوي في الفتاوي‏:‏ وأما مقدار العمامة الشريفة فلم يثبت في حديث وقد روى البيهقي في شعب الإيمان عن ابن سلام بن عبد الله بن سلام قال‏:‏ سألت ابن عمر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتم‏؟‏ قال كان يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه، وهذا يدل على أنها عدة أذرع‏.‏ والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها بيسير انتهى‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ ولا أدري ما هذا الظاهر الذي زعمه، فإن كان الظهور من هذا الحديث الذي ساقه باعتبار ما فيه من ذكر الإدارة والغرز إرسال الذؤابة فهذه الأوصاف تحصل في عمامة دون ثلاثة أذرع، وإن كان من غيره فما هو بعد إقراره بعدم ثبوت مقدارها في حديث انتهى‏.‏ وفي المرقاة قال الجزري في تصحيح المصابيح‏:‏ قد تتبعت الكتب وتطلبت من السير والتواريخ لأقف على قدر عمامة النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف على شيء حتى أخبرني من أثق به أنه وقف على شيء من كلام النووي ذكر فيه‏:‏ أنه كان له صلى الله عليه وسلم عمامة قصيرة وعمامة طويلة، وأن القصيرة كانت سبعة أذرع والطويلة اثنى عشر ذراعاً ذكره القاري‏:‏ وقال وظاهر كلام المدخل أن عمامته كانت سبعة أذرع مطلقاً من غير تقييد بالقصير والطويل انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لا بد لمن يدعي أن مقدار عمامته صلى الله عليه وسلم كان كذا وكذا من الذراع أن يثبته بدليل صحيح، وأما الادعاء المحض فليس بشيء‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ قال في السبل‏:‏ من آداب العمامة إرسال العذبة بين الكتفين ويجوز تركها بالأصالة‏.‏ وقال النووي في شرح المهذب‏:‏ لبس العمامة بإرسال طرفها وبغير إرساله ولا كراهة في واحد منهما ولم يصح في النهي عن ترك إرسالها شيء انتهى‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ لم أجد في فضل العمامة حديثاً مرفوعاً صحيحاً، وكل ما جاء فيه إما ضعيفة أو موضوعة‏.‏

فمنها ما رواه القضاعي والديلمي في مسند الفردوس عن علي مرفوعاً‏:‏ العمائم تيجان العرب، والاحتباء حيطانها، وجلوس المؤمن في المسجد رباطه‏.‏ قال في المقاصد‏:‏ ضعيف، وأخرج البيهقي معناه من قول الزهري‏.‏

ومنها حديث‏:‏ عليكم بالعمائم فإنها سيما الملائكة وأرخوها خلف ظهوركم‏.‏ أخرجه ابن عدي والبيهقي في الخلاصة وهو موضوع‏.‏ وقال في اللاَلئ‏:‏ لا يصح، وقال‏:‏ له طريق آخر عن ابن عباس، أخرجه الحاكم في المستدرك‏.‏

ومنها ما رواه ابن عساكر والديلمي عن ابن عمر مرفوعاً‏:‏ صلاة تطوع أو فريضة بعمامة تعدل خمساً وعشرين صلاة بلا عمامة، وجمعة بعمامة تعدل سبعين جمعة بلا عمامة‏.‏ قال المناوي‏:‏ قال ابن حجر‏:‏ موضوع وكذلك قال الشوكاني في كتابه الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة‏.‏ وفي الباب روايات أخرى ذكرها الشوكاني وغيره في موضوعاتهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ لم يحكم الترمذي على هذا الحديث بشيء من الصحة والضعف، والظاهر أنه حسن، ويعضده حديث عمرو بن حريث عند مسلم وغيره الذي أشار إليه الترمذي في الباب الذي قبله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي‏)‏ لينظر من أخرجه‏.‏

1169- باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ خَاتَمِ الذّهَب

الخاتم بفتح التاء وكسرها هما لغتان واضحتان وفيه لغات أخرى‏.‏

1740- حدثنا سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ و الْحَسَنُ بنُ عليّ وغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا حدثنا عَبْدُ الرّزّاقِ، أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهْرِيّ عن إبراهيمَ بنِ عَبْدِ الله بنِ حُنَيْنٍ عن أبِيهِ عن عليّ بن أبي طَالِبٍ قالَ‏:‏ ‏"‏نَهَانِي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن التّخَتّمِ بالذّهَبِ، وعَنْ لِبَاسِ القَسِيّ، وعن القِرَاءَةِ في الرّكُوعِ والسّجُودِ وعَنْ لُبْاسِ المُعَصْفر‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1741- حدثنا يُوسُفُ بنُ حَمّادٍ المَعْنِيّ البَصْرِيّ، حدثنا عَبْدُ الوَارِثِ بنُ سَعِيدٍ عن أبي التّيّاحِ، حدثنا حَفْصٌ اللّيْثِيّ قال‏:‏ أشْهَدُ على عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ أنه حدثنا أنه قال‏:‏ ‏"‏نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن التّخَتّمِ بالذّهَبِ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عَنْ علي و ابنِ عُمَرَ وأبي هُرَيْرَةَ و مُعَاوِيَةَ قال أبو عيسى حَدِيثُ عِمْرَانَ حديثٌ حسنٌ‏.‏ و أبُو التيّاح اسْمُهُ يَزِيدُ بنُ حُمَيْدٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن التختم بالذهب‏)‏ أي عن لبس خاتم الذهب، وهذا النهي للرجال لا للنساء، فإن الذهب حرام عليهم لا عليهن ‏(‏وعن لباس القسي‏)‏ تقدم ضبط القسي ومعناه في باب كراهية المعصفر للرجال ‏(‏وعن القراءة في الركوع والسجود‏)‏ لأن الركوع موضع التسبيح وكذا السجود ‏(‏وعن لبس المعصفر‏)‏ هو المصبوغ بالعصفر‏.‏ واستدل به من قال بتحريم لبس الثوب المصبوغ بالمعصفر، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب كراهية المعصفر للرجال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه، وقد تقدم هذا الحديث في باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا يوسف بن حماد المعنى‏)‏ بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وبياء النسبة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أشهد على عمران بن حصين أنه حدثنا‏)‏ أراد حفص بقوله أشهد على عمران التأكيد للرواية ‏(‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب‏)‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء وأجمعوا على تحريمه على الرجال إلا ما حكي عن أبي بكر بن عمر بن محمد بن حرم أنه أباحه، وعن بعض أنه مكروه لا حرام، وهذان النقلان باطلان وقائلهما محجوج بهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم مع إجماع من قبله على تحريمه مع قوله صلى الله عليه وسلم في الذهب والحرير‏:‏ إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثها انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وابن عمر وأبي هريرة ومعاوية‏)‏ أما حديث علي فقد تقدم آنفاً، فالظاهر أنه أشار إلى ما أخرجه عنه أحمد وأبو داود والنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً فجعله في يمينه وأخذ ذهباً فجعله في شماله ثم قال‏:‏ إن هذين حرام على ذكور أمتي‏.‏ وأما حديث ابن عمر رضي الله عنه فأخرجه الشيخان، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم، وأما حديث معاوية فأخرجه أبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عمران حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد‏.‏

1170- باب ما جاءَ في خَاتَمِ الْفِضّة

1742- حدثنا قُتَيْبَةُ وغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بنِ وَهْبٍ عَنْ يُونسَ عن ابنِ شِهَابٍ عَنْ أنَسٍ قال‏:‏ ‏"‏كانَ خَاتَمُ النبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وَرِقٍ وكانَ فصّهُ حَبَشيّا‏"‏‏.‏

قل وفي البابِ عن ابنِ عُمَرَ وبُرَيْدَةَ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من ورق‏)‏ بفتح الواو وكسر الراء أي فضة ‏(‏وكان فصه حبشياً‏)‏ ووقع في رواية أخرى لأنس‏:‏ وكان فصه منه أي من الورق‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ لا يعارضه قوله في رواية أخرى‏:‏ وكان فصه حبشياً لأنه إما أن يحمل على التعدد وحينئذ فمعنى قوله حبشياً أي كان حجراً من بلاد الحبشة أو على لون الحبشة أو كان جزعاً أو عقيقاً لأن ذلك قد يؤتى من بلاد الحبشة‏.‏ ويحتمل أن يكون هو الذي فصه منه ونسب إلى الحبشة لصفة فيه إما الصياغة أو النقش انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وبريدة‏)‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان، وأماحديث بريدة فأخرجه الترمذي في أواخر اللباس، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح الخ‏)‏ قال الحافظ أخرجه مسلم وأصحاب السنن‏.‏

1171- باب ما جَاءَ مَا يُسْتَحَبّ في فَصّ الْخَاتَم

قال الجوهري‏:‏ الفص بفتح الفاء والعامة تكسرها وأثبتها غيره لغة، وزاد بعضهم الضم، وعلي جزى ابن مالك في المثلث‏.‏ وقال في القاموس‏:‏ الفص للخاتم مثلثة والكسر غير لحن ووهم الجوهري انتهى‏.‏

1743- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ حدثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ الله الطّنَافِسِيّ حدثنا زُهيْرٌ أبو خَيْثَمَةَ عن حُمَيْدٍ عن أنَسٍ قال‏:‏ ‏"‏كانَ خاتَمُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنْ فِضّةٍ فَصّهُ مِنْهُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ مِنْ هذا الوَجْهِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا حفص بن عمر عبيد الطنافسي‏)‏ الكوفي ثقة من العاشرة ‏(‏حدثنا زهير أبو خيثمة‏)‏ هو ابن معاوية بن حديج بضم مهملة وفتح دال مهملة وبجيم ‏(‏عن حميد‏)‏ هو ابن أبي حميد الطويل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فصه‏)‏ أي فص الخاتم ‏(‏منه‏)‏ أي من الفضة وتذكيره لأنه بتأويل الورق، وقيل الضمير راجع إلى ما صنع منه الخاتم وهو الفضة وهو بعيد ويمكن من في ‏(‏منه‏)‏ للتبعيض والضمير للخاتم أي فصه بعض من الخاتم بخلاف ما إذا كان حجراً فإنه منفصل عنه مجاور له، وفي رواية أبي داود من طريق زهير بن معاوية عن حميد عن أنس‏:‏ كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من فضلة كله‏.‏

قال الحافظ‏:‏ فهذا نص في أنه كله من فضة، وأما ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق إياس بن الحارث بن معيقيب عن جده قال‏:‏ كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من حديد ملوياً عليه فضه فربما كان في يدي، قال‏:‏ وكان معيقيب على خاتم النبي صلى الله عليه وسلم يعني كان أميناً عليه، فيحمل على التعدد‏.‏ وقد أخرج له ابن سعد شاهداً مرسلاً عن مكحول‏:‏ أن خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من حديد ملوياً عليه فضة غير أن فصه باد، وآخر مرسلاً عن إبراهيم النخعي مثله دون ما في آخره، وثالثاً من رواية سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص‏:‏ أن خالد بن سعيد يعني ابن العاص أتى وفي يده خاتم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا اطرحه فطرحه فإذا خاتم من حديد ملوي عليه فضة، قال‏:‏ ما نقشه‏؟‏ قال محمد رسول الله، قال فأخذه فلبسه‏:‏ ومن وجه آخر عن سعيد بن عمرو والمذكور أن ذلك جرى لعمرو بن سعيد أخي خالد بن سعيد انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه‏)‏ وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي‏.‏

1172- باب ما جَاءَ في لُبْسِ الْخَاتَمِ في الْيَمِين

إعلم أنه قد وردت الأحاديث في التختم في اليمين وفي التختم في اليسار، وقد اختلف أهل العلم في الجمع بين هذه الأحاديث المختلفة، فجنحت طائفة إلى استواء الأمرين وجمعوا بذلك بين مختلف الأحاديث، وإلى ذلك أشار أبو داود حيث ترجم‏:‏ باب التختم في اليمين واليسار، ثم أورد الأحاديث مع اختلافها في ذلك بغير ترجيح، وقال البيهقي في الأدب‏:‏ يجمع بين هذه الأحاديث بأن الذي لبسه في يمينه وهو خاتم الذهب كما صرح به في حديث ابن عمر والذي لبسه في يساره وهو خاتم الفضة، وأما رواية الزهري عن أنس التي فيها التصريح بأنه كان من فضة ولبسه في يمينه فكأنها خطأ فقد تقدم أن الزهري وقع له وهم في الخاتم الذي طرحه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه وقع في روايته أنه الذي كان من فضة وأن الذي في رواية غيره أنه الذي كان من ذهب، فعلى هذا فالذي كان لبسه في يمينه هو الذهب انتهى ملخصاً‏.‏

وجمع غيره أنه لبس الخاتم أولاً في يمينه ثم حوله إلى يساره، واستدل له بما أخرجه أبو الشيخ وابن عدي من رواية عبد الله بن عطاء عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم تختم في يمينه ثم إنه حوله في يساره‏.‏

قال الحافظ‏:‏ فلو صح هذا لكان قاطعاً للنزاع ولكن سنده ضعيف انتهى‏.‏ وأخرج ابن سعد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه قال‏:‏ طرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه الذهب ثم تختّم خاتماً من ورق فجعله في يساره، وهذا مرسل أو معضل‏.‏ وقد جمع البغوي في شرح السنة بذلك وأنه تختم أولاً في يمينه ثم تختم في يساره وكان ذلك آخر الأمرين، وتعقبه الطبري بأن ظاهره النسخ وليس ذلك مراده بل الإخبار بالواقع اتفاقاً‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ويظهر لي أن ذلك يختلف باختلاف القصد، فإن كان اللبس للتزين به فاليمين أفضل وإن كان للتختم به فاليسار أولى، لأنه كالمودع فيها ويحصل تناوله منها باليمين، وكذا وضعه فيها، ويترجح التختم في اليمين مطلقاً لأن اليسار آلة الاستنجاء فيصان الخاتم إذا كان في اليمين عن أن تصيبه النجاسة، ويترجح التختم في اليسار بما أشر إليه من التناول انتهى‏.‏

وقال النووي في شرح مسلم‏:‏ أجمع الفقهاء على جواز التختم في اليمين وعلى جوازه في اليسار ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل فتختم كثيرون من السلف في اليمين وكثيرون في اليسار، واستحب مالك اليسار وكره اليمين، وفي مذهبنا وجهان لأصحابنا الصحيح أن اليمين أفضل لأنه زينة واليمين أشرف وأحق بالزينة والإكرام انتهى

1744- حدثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبِيّ حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي حَازِمٍ عَنْ موسى بنِ عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ فَتَخَتّمَ بهِ في يَمِينِهِ ثُمّ جَلَسَ على المِنْبَرِ فقالَ‏:‏ إنّي كُنْتُ اتّخَذْتُ هذا الْخَاتَمَ في يَمِينِي، ثُمّ نَبَذَهُ وَنَبَذَ النّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عَنْ عَلِيّ وجَابِرٍ وعَبْدِ الله بنِ جَعْفَرٍ وابنِ عَبّاسٍ وَعَائِشَةَ وأنَسٍ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ ابنِ عُمَرَ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ هذا الحَدِيثُ عَنْ نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ نَحْوَ هذا من غير هذا الوَجْهِ، ولم يذْكرْ فيهِ أنّهُ تَخَتّمَ في يَمِينِهِ‏.‏

1745- حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرّازِيّ حدثنا جَرِيرٌ عَنْ محمدِ بنِ إسحاقَ عن الصّلْتِ بنِ عَبْدِ الله بنِ نَوْفَلٍ قالَ‏:‏ رَأَيْتُ ابنَ عَبّاسٍ يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ ولا إخَالُهُ إلاّ قالَ‏:‏ ‏"‏رَأَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى قال محمدُ بنُ إسماعيلَ حَدِيثُ محمدِ بنِ إسحاقَ عن الصّلتِ بنِ عبدِ الله بنِ نَوْفَلٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1746- حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا حَاتِمُ بنُ إسماعيلَ عن جَعْفَرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ قال‏:‏ ‏"‏كانَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ يَتَخَتّمَانِ في يَسَارِهِمَا‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسن صحيحٌ‏.‏

1747- حدثنا أحمدُ بنُ مَنيعٍ حدثنا يَزِيدُ بنُ هَارُونَ عن حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ قَالَ‏:‏ ‏"‏رَأَيْتُ ابنَ أبي رَافِعٍ ‏(‏هو عبيدالله بن أبي رافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واسم ابن أبي رافع‏)‏ يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ فَسَأَلْتُهُ عن ذلكَ فقالَ‏:‏ رَأَيْتُ عَبْدَ الله بنَ جَعْفَرٍ يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ، وقالَ عبدالله بن جعفر كانَ النبيّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَتّمُ في يَمِينِهِ‏"‏‏.‏

قال وقالَ محمد بن اسماعيل‏:‏ هذا أصَحّ شيء رُوِيَ في هذا الباب‏.‏

1748- حدثنا الحَسَنُ بنُ عليَ الْخَلاّلُ حدثنا عبدُ الرّزّاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ خَاَتَماً مِنْ وَرِقٍ فَنَقَشَ فيهِ‏:‏ محمدٌ رَسُولُ الله، ثُمّ قالَ‏:‏ لاَ تَنْقُشُوا عَلَيْهِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيح حسنٌ‏.‏ ومَعْنَى قَوْلِهِ ‏"‏لا تَنْقُشُوا عَلَيْهِ‏"‏ نَهْى أنْ يَنْقُشَ أحَدٌ على خَاتَمِهِ محمدٌ رَسُولُ الله‏.‏

1749- حدثنا إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ أخبرنا سعِيدُ بنُ عَامِرٍ و الحجّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قالا حدثنا هَمّامٌ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن الزّهْرِيّ عن أنَسٍ قالَ‏:‏ ‏"‏كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ نَزَعَ خَاتَمهُ‏"‏‏.‏

هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا محمد بن عبيد‏)‏ بن محمد بن واقد المحاربي الكندي أبو جعفر النحاس الكوفي صدوق من العاشرة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صنع خاتماً‏)‏ أي أمر بصنعه فصنع له ‏(‏من ذهب‏)‏ أي ابتدأ قبل تحريم الذهب على الرجال ‏(‏ثم نبذه الخ‏)‏ وهذا يحتمل أن يكون كرهه من أجل المشاركة أو لما رأى من زهوهم بلبسه‏.‏ ويحتمل أن يكون لكونه من ذهب وصادق وقت تحريم لبس الذهب على الرجال، ويؤيد هذا رواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر عند البخاري بلفظ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس خاتماً من ذهب فنبذه فقال لا ألبسه أبداً، وحديث ابن عمر هذا، كذا رواه الترمذي مختصراً، وزاد البخاري من طريق عبيد الله عن نافع وقال لا ألبسه أبداً ثم اتخذ خاتماً من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وجابر وعبد الله بن جعفر الخ‏)‏ أما حديث علي فأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وابن حبان في صحيحه عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في الشمائل، قال الحافظ بسند لين، وأما حديث عبد الله بن جعفر وحديث ابن عباس فأخرجهما الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه البزار بسند لين وأبو الشيخ بسند حسن قاله الحافظ في الفتح‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه مسلم عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتم فضة في يمينه فيه فص حبشي كان يجعل فصه مما يلي كفه‏.‏ وفي الباب أيضاً عن أبي أمامة عند الطبراني بسند ضعيف، وعن أبي هريرة عند الدارقطني في غرائب مالك بسند ساقط، قاله الحافظ في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه ابن سعد وأصله في الصحيحين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا جرير‏)‏ هو ابن عبد الحميد ‏(‏عن محمد بن إسحق‏)‏ هو إمام المغازي ‏(‏عن الصلب بن عبد الله بن نوفل‏)‏ بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي روى عن ابن عباس وعنه والزهري وابن إسحاق وغيرهما وثقه ابن حبان، وقال الزبير بن بكار‏:‏ كان فقيهاً عابداً كذا في الخلاصة وتهذيب التهذيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ولا إخاله‏)‏ بكسر الهمزة، قال في القاموس‏:‏ خال الشيء يخال خيلا وخيلة ويكسران وخالا وخيلا لا محركه ومخيلة ومخالة وخيلولة ظنه، وتقول في مستقبله إخال بكسر الألف وتفتح في لغة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال محمد بن إسماعيل‏)‏ يعين الإمام البخاري رحمه الله ‏(‏حديث محمد بن إسحاق عن الصلت بن عبد الله بن نوفل حديث حسن صحيح‏)‏ وفي بعض النسخ حسن فقط وليس فيه صحيح، والحديث أخرجه أبو داود وللطبراني من وجه آخر عن ابن عباس‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه، وفي سنده لين قاله الحافظ في الفتح‏.‏

‏(‏حدثنا حاتم بن إسماعيل‏)‏ هو المدني ‏(‏عن جعفر بن محمد‏)‏ هو المعروف بالصادق ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو محمد بن علي الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر ثقة فاضل من الرابعة كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما‏)‏ هذا الأثر لا يناسب الباب ولو زاد الترمذي في ترجمة الباب لفظ ‏"‏واليسار‏"‏ بعد قوله في اليمين لطابقه هذا الأثر أيضاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح وأخرجه البيهقي في الأدب من طريق أبي جعفر الباقر‏)‏ قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعلي والحسن والحسين يتختمون في اليسار ذكره الحافظ في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏رأيت ابن أبي رافع‏)‏ هو عبد الرحمن بن أبي رافع ويقال بن فلان بن أبي رافع، روى عن عبد الله بن جعفر وعن عمه عن أبي رافع وعن عمته سلمى عن أبي رافع وعنه حماد بن سلمة قال إسحاق بن منصور عن ابن معين صالح له عند الترمذي في التختم في اليمين وآخر حديث في دعاء الكرب، كذا في تهذيب التهذيب ‏(‏فقال رأيت عبد الله بن جعفر‏)‏ ابن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد ولد بأرض الحبشة وله صحبة، كذا في التقريب ‏(‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه‏)‏ أي يلبس الخاتم في خنصر يده اليمنى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال محمد‏)‏ يعني الإمام البخاري رحمه الله ‏(‏وهذا أصح شيء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب‏)‏ وأخرجه أحمد وابن ماجه‏.‏

1173- بابُ ما جَاءَ في نَقْشِ الْخَاتَم

1750- حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيّ حدثني أبِي عن ثُمَامَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال‏:‏ ‏"‏كانَ نَقْشُ خَاتَمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةَ أسْطُرٍ‏:‏ محمدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْر‏:‏ والله سَطْرٌ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديث أنس حديث حسن صحيح غريب‏.‏

1751- حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ و محمدُ بنُ يَحْيَى وغَيْرُ وَاحِدٍ قالُوا حدثنا محمدُ بنُ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيّ حدثني أبِي عن ثُمَامَةَ عن أنَسِ بنِ مَالِكٍ قال‏:‏ ‏"‏كانَ نَقْشُ خَاتَمِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ثَلاَثَةَ أسْطُرٍ‏:‏ محمدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْر‏:‏ والله سَطْرٌ‏"‏ ولَمْ يذكر محمدُ بنُ يَحْيى في حَدِيثِهِ ‏"‏ثَلاَثَةَ أسْطُرٍ‏"‏‏.‏

وفي الباب عن ابن عمر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومحمد بن يحيى‏)‏ هو الإمام الحافظ الذهلي ‏(‏حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري‏)‏ هو محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري ‏(‏حدثني أبي‏)‏ أي عبد الله بن المثنى الأنصاري ‏(‏عن ثمامة‏)‏ هو ابن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان نقش الخاتم ثلاثة أسطر‏)‏ قال ابن بطال‏:‏ ليس كون نقش الخاتم ثلاثة أسطر أو سطرين أفضل من كونه سطراً واحداً‏.‏

قال الحافظ‏:‏ قد يظهر أثر الخلاف من أنه إذا كان سطراً واحداً يكون الفص مستطيلاً لضرروة كثرة الأحرف فإذا تعددت الأسطر أمكن كونه مربعاً أو مستديراً وكل منهما أولى من المستطيل انتهى ‏(‏محمد سطر ورسول سطر والله سطر‏)‏ قال الحافظ‏:‏ هذا ظاهره أنه لم يكن فيه زيادة على ذلك، لكن أخرج أبو الشيخ في أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم من رواية عرعرة بن البريد عن عزرة بن ثابت عن ثمامة عن أنس قال‏:‏ كان فص خاتم النبي صلى الله عليه وسلم حبشياً مكتوباً عليه لا إله إلا الله محمد رسول، وعرعرة ضعفه ابن المديني وزيادته هذه شاذة قال‏:‏ وظاهره أيضاً أنه كان على هذا الترتيب لكن لم تكن كتابته على السياق العادي، فإن ضرورة الاحتياج إلى أن يتختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الخاتم مستوياً وأما قول بعض الشيوخ إن كتابته كانت من أسفل إلى فوق يعني أن الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة ومحمد في أسفلها فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهر ذلك فإنه قال فيها‏:‏ سطر والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله، ولك أن تقرأ محمد بالتنوين ورسول بالتنوين وعدمه، والله بالرفع والجر انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر‏)‏ أخرجه الشيخان عنه قال‏:‏ اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق وكان في يده ثم كان بعد في يدي أبي بكر، ثم كان بعد في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع بعد في بئر أريس نقشه‏:‏ محمد رسول الله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أنس حديث حسن صحيح غريب‏)‏ وأخرجه البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لا تنقشوا عليه‏)‏ في رواية الشيخين‏:‏ فلا ينقش أحد على نقشه، وفي حديث ابن عمر عند مسلم‏:‏ لا ينقش أحد على نقش خاتمي هذا، قال النووي‏:‏ سبب النهي أنه صلى الله عليه وسلم إنما اتخذ الخاتم ونقش فيه ليختم به كتبه إلى ملوك العجم وغيرهم فلو نقش غيره مثله لدخلت المفسدة وحصل الخلل‏.‏ قال‏:‏ وفي الحديث جواز نقش الخاتم وجواز نقش اسم الله تعالى، هذا مذهبنا ومذهب سعيد بن المسيب ومالك والجمهور‏.‏ وعن ابن سيرين وبعضهم كراهة نقش اسم الله تعالى وهذا ضعيف انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقد أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن سيرين أنه لم يكن يرى بأساً أن يكتب الرجل في خاتمه حسبي الله ونحوها، فهذا يدل على أن الكراهة عنه لم يثبت، ويمكن الجمع بأن الكراهة حيث يخاف عليه حمله للجنب والحائض والاستنجاء بالكف التي هو فيها، والجواز حيث حصل الأمن من ذلك فلا تكون الكراهة لذلك بل من جهة ما يعرض لذلك انتهى‏.‏ قال النووي قال العلماء‏:‏ وله أن ينقش عليه اسم نفسه أو أن ينقش عليه كلمة حكمة وأن ينقش ذلك مع ذكر الله تعالى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا سعيد بن عامر‏)‏ الضبعي أبو محمد البصري ثقة صالح، وقال أبو حاتم‏:‏ ريما هو من التاسعة ‏(‏والحجاج بن منهال‏)‏ الأنماطي أبو محمد السلمي مولاهما البصري ثقة فاضل من التاسعة ‏(‏حدثنا همام‏)‏ هو ابن يحيى الأزدي العوذي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا دخل الخلاء‏)‏ أي أراد دخوله قوله‏:‏ ‏(‏نزع‏)‏ أي أخرج من أصبعه ‏(‏خاتمه‏)‏ قال القاري في المرقاة لأن نقشه محمد رسول الله، وفيه دليل على تنحية المستنجي اسم الله واسم رسوله والقرآن، كذا قاله الطيبي قال الأبهري‏:‏ ويعم الرسل‏.‏ وقال ابن حجر‏:‏ استفيد منه أنه يندب لمريد التبرز أن ينحي كل ما عليه معظم من اسم الله تعالى أو نبي أو مالك، فإن خالف كره انتهى‏.‏ وهذا هو الموافق لمذهبنا انتهى كلام القاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ حديث أنه صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وصنع خاتمه، أخرجه أصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث الزهري عن أنس به‏.‏ قال النسائي‏:‏ هذا حديث غير محفوظ‏.‏ وقال أبو داود‏:‏ منكر، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وأشار إلى شذوذه وصححه الترمذي، وقال النووي‏:‏ هذا مردود عليه، قاله في الخلاصة وقال المنذري‏:‏ الصواب عندي تصحيحه، فإن رواته ثقات أثبات‏.‏ وتبعه أبو الفتح القشيري في آخر الاقتراح وعلته أنه من رواية همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس ورواته ثقات، لكن لم يخرج الشيخان رواية همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل لم يسمعه من الزهري وإنما رواه عن زياد بن سعد عن الزهري بلفظ آخر، وقد رواه مع همام مع ذلك مرفوعاً يحيى بن الضريس البجلي ويحيى بن المتوكل وأخرجهما الحاكم والدارقطني، وقد رواه عمرو بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفاً على أنس، وأخرج له البيهقي شاهداً أو أشار إلى ضعفه ورجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضاً ولفظه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس خاتماً نقشه محمد رسول الله فكان إذا دخل الخلاء وضعه، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه الجوزقاني في الأحاديث الضعيفة وينظر في سنده فإن رجاله ثقات إلا محمد بن إبراهيم الرازي فإنه متروك انتهى كلام الحافظ‏.‏

1174- باب ما جاءَ في الصّورَة

المراد بيان حكمها من جهة مباشرة صنعتها ثم من جهة استعمالها واتخاذها‏.‏

1752- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا رَوْحُ بنُ عُبَادَةَ حدثنا ابنُ جُرَيْجٍ أخبرني أبُو الزّبَيْرِ عن جَابِرٍ قال‏:‏ ‏"‏نَهَى رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّورَةِ في البَيْتِ، ونَهَى أنْ يُصْنَعَ ذَلِكَ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عَنْ عَلِيّ وَأَبِي طَلْحَةَ وَعَائِشَةَ وأبِي هُرَيْرَةَ وأبِي أيّوبَ‏.‏

قال أبو عيسى حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1753- حدثنا إسحاقُ بنُ مُوسَى الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مَالِكٌ عَنْ أبي النّضْرِ عَنْ عُبَيْدِ الله بنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ‏:‏ ‏"‏أنّهُ دَخَلَ على أبي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيّ يَعُودُهُ قال فَوَجَدَت عِنْدَهُ سَهْلَ بنَ حُنَيْفٍ، قالَ‏:‏ فَدَعَا أبُو طَلْحَةَ إنْسَاناً يَنْزِعُ نَمَطاً تَحْتَهُ، فقالَ لَهُ سَهْلٌ‏:‏ لِمَ تَنْزِعُهُ‏؟‏ فقال‏:‏ لأنّ فِيهَا تَصَاوِيرَ، وقد قالَ فيهِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قَدْ عَلِمْتَ، قالَ سَهْلٌ‏:‏ أوَلَمْ يَقُلْ‏:‏ إلاّ مَا كَانَ رَقْماً في ثَوْبٍ‏؟‏ فقَالَ‏:‏ بَلَى، وَلَكِنّهُ أطْيَبُ لِنَفْسِي‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصورة في البيت‏)‏ أي عن اتخاذها وإدخالها فيه لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا تصاوير كما في حديث أبي طلحة عند الشيخين، والمراد بالبيت المكان الذي يستقر فيه الشخص سواء كان بناء أو خيمة أم غير ذلك‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ قال أصحابنا وغيرهم من العلماء‏:‏ تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة بخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير، وأما اتخاذ المصور فيه صور حيوان فإن كان معلقاً على حائط أو ثوباً ملبوساً أو عمامة ونحو ذلك مما لا يعد ممتهناً فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام، ولا فرق في هذا كله بين ماله ظل ومالا ظل له، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناهن قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم‏.‏ وقال بعض السلف‏:‏ إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس بالصور التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل وإن الستر الذي أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة‏.‏ وقال الزهري‏:‏ النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه ودخول البيت الذي هي فيه سواء كانت رقماً أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهن أو غير ممتهن عملاً بظاهر الأحاديث لا سيما حديث النمرقة الذي ذكره مسلم، وهذا مذهب قوي‏.‏ وقال آخرون‏:‏ يجوز منها ما كان رقماً في ثوب سواء امتهن أم لا، وسواء علق في حائط أم لا، وكرهوا ما كان له ظل أو كان مصوراً في الحيطان وشبهها سواء كان رقماً أو غيره، واحتجوا بقوله في بعض أحاديث الباب ‏"‏إلا ما كان رقماً في ثوب‏"‏، وهذا مذهب القاسم بن محمد، وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره‏.‏ انتهى كلام النووي‏.‏

قلت‏:‏ قال ابن العربي‏:‏ إن الصورة التي لا ظل لها إذا بقيت على هيئتها حرمت سواء كانت مما يمتهن أم لا، وإن قطع رأسها أو فرقت هيئتها جاز انتهى‏.‏ وهذا القول هو الأحوط عندي وهو المنقول عن الزهري وقواه النووي كما عرفت آنفاً‏.‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ إنه أعدل الأقوال‏.‏

فائدة‏:‏

روى البخاري عن عائشة قالت‏:‏ كنت ألعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسر بهن إلي فيلعبن معي‏.‏

قال الحافظ‏:‏ استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص بذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور‏.‏ وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن‏.‏ قال وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ، وإليه مال ابن بطال‏.‏ وحكى عن ابن أبي زيد عن مالك أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ‏.‏ وقد ترجم ابن حبان لصغار النساء اللعب باللعب‏.‏ وترجم له النسائي إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات فلم يقيد بالصغر وفيه نظر‏.‏ قال البيهقي بعد تخريجه‏:‏ ثبت النهي عن اتخاذ الصور فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كان قبل تحريم، وبه جزم ابن الجوزي‏.‏ وقال المنذري‏:‏ إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة، وبهذا جزم الحليمي فقال‏:‏ إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قول الحليمي هو المختار عندي والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن علي وأبي طلحة وعائشة وأبي هريرة وأبي أيوب‏)‏‏.‏ أما حديث علي فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه عنه مرفوعاً‏:‏ لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة ولا جنب ولا كلب‏.‏ قال المنذري‏:‏ كلهم من رواية عبد الله بن يحيى، قال البخاري‏:‏ فيه نظر وأما حديث أبي طلحة فأخرجه الترمذي في هذا الباب، وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان، وعنها في الباب أحاديث، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في باب‏:‏ إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ولا كلب من أبواب الاستئذان والأدب، وأما حديث أبي أيوب فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يعوده‏)‏ أي لعيادته في مرضه ‏(‏فوجد عنده‏)‏ أي عند أبي طلحة ‏(‏سهل بن حنيف‏)‏ بصيغة التصغير ‏(‏ينزع نمطاً تحته‏)‏ أي ليخرج نمطاً كان تحته، والنمط بفتح النون والميم وهو ظهارة الفراش وقيل ظهر الفراش، ويطلق أيضاً على بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج وقد يجعل ستراً ‏(‏لم تنزعه‏)‏ أي لأي سبب تخرجه من تحتك ‏(‏لأن فيها‏)‏ وفي رواية مالك في الموطأ‏:‏ لأن فيه بتذكير الضمير وهو الظاهر أي في ذلك النمط ‏(‏ما قد علمت‏)‏ أي من أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ‏(‏إلا ما كان رقماً‏)‏ بالفتح أي نقشاً‏.‏ قال النووي‏:‏ يحتج به من يقول إباحة ما كان رقماً مطلقاً، وجوابنا وجواب الجمهور عنه أنه محمول على رقم على صورة الشجر وغيره ما ليس بحيوان، وقد قدمنا أن هذا جائز عندنا انتهى‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ قال ابن العربي‏:‏ حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حرم بالإجماع، وإن كانت رقماً فأربعة أقوال‏.‏ الأول‏:‏ يجوز مطلقاً على ظاهر قوله في حديث الباب‏:‏ إلا رقماً في ثوب، الثاني‏:‏ المنع مطلقاً حتى الرقم، الثالث‏:‏ إن كانت الصورة باقية الهيئة قائمة الشكل حرم، وإن قطعت الرأس أو تفرقت الأجزاء جاز، قال‏:‏ وهذا هو الأصح‏.‏ الرابع‏:‏ إن كان مما يمتهن جاز، وإن كان معلق لم يجز انتهى وقد حكم ابن عبد البر على القول الثالث بأنه أعدل الأقوال كما في التعليق الممجد ‏(‏قال بلى‏)‏ أي قد قال ذلك ‏(‏أطيب لنفسي‏)‏ أي أطهر واختيار الأولى‏.‏

واستدل بهذا الحديث على أن التصاوير إذا كانت في فراش أو بساط أو وسادة فلا بأس بها‏.‏ قال محمد في موطئه بعد رواية هذا الحديث ما لفظه‏:‏ وبهذا نأخذ ما كان فيه من تصاوير من بساط يبسط أو فراش يفرش أو وسادة فلا بأس بذلك إنما يكره من ذلك في الستر وما ينصب نصباً، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا انتهى‏.‏

قلت‏:‏ في الاستدلال بهذا الحديث على هذا المطلوب نظر من وجهين‏:‏ الأول أن المراد بقوله‏:‏ إلا ما كان رقماً في ثوب غير الحيوان جمعاً بين الأحاديث كما صرح به النووي، والثاني أنه لو كان المراد مطلق التصاوير سواء كان للحيوان أو لغيره لزم أن يكون اتخاذ التصاوير كلها جائزاً سواء كانت في الستر أو في ما ينصب نصباً أو في البساط والوسادة لأنه مطلق ليس فيه تقييد بكونها في البساط أو غيره وهو كما ترى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مالك في الموطأ‏.‏